الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي "

القول في تأويل قوله تعالى : ( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ( 85 ) )

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ويسألك الكفار بالله من أهل الكتاب عن الروح ما هي؟ قل لهم : الروح من أمر ربي ، وما أوتيتم أنتم وجميع الناس من العلم إلا قليلا وذكر أن الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح ، فنزلت هذه الآية بمسألتهم إياه عنها ، كانوا قوما من اليهود .

ذكر الرواية بذلك : حدثنا أبو هشام ، قال : ثنا وكيع ، قال : ثنا الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله ، قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرث بالمدينة ، ومعه عسيب يتوكأ عليه ، فمر بقوم من اليهود ، [ ص: 542 ] فقال بعضهم : اسألوه عن الروح ، وقال بعضهم : لا تسألوه ، فقام متوكئا على عسيبه ، فقمت خلفه ، فظننت أنه يوحى إليه ، فقال ( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) فقال بعضهم لبعض : ألم نقل لكم لا تسألوه " .

حدثنا يحيي بن إبراهيم المسعودي ، قال : ثنا أبي ، عن أبيه ، عن جده ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله ، قال : " بينا أنا أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حرة بالمدينة ، إذ مررنا على يهود ، فقال بعضهم : سلوه عن الروح ، فقالوا : ما أربكم إلى أن تسمعوا ما تكرهون ، فقاموا إليه ، فسألوه ، فقام فعرفت أنه يوحى إليه ، فقمت مكاني ، ثم قرأ ( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) فقالوا : ألم ننهكم أن تسألوه " .

حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا داود ، عن عكرمة ، قال : " سأل أهل الكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح ، فأنزل الله تعالى ( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) فقالوا : أتزعم إنا لم نؤت من العلم إلا قليلا وقد أوتينا التوراة ، وهي الحكمة ، ( ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ) قال : فنزلت ( ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ) قال : ما أوتيتم من علم ، فنجاكم الله به من النار ، فهو كثير طيب ، وهو في علم الله قليل " .

حدثني إسماعيل بن أبي المتوكل ، قال : ثنا الأشجعي أبو عاصم الحمصي ، قال : ثنا إسحاق بن عيسى أبو يعقوب ، قال : ثنا القاسم بن معن ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله ، قال : إني لمع النبي صلى الله عليه وسلم في حرث بالمدينة ، إذ أتاه يهودي ، قال : يا أبا القاسم ، ما الروح؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنزل الله عز وجل ( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ) . [ ص: 543 ]

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله ( ويسألونك عن الروح ) لقيت اليهود نبي الله صلى الله عليه وسلم ، فتغشوه وسألوه وقالوا : إن كان نبيا علم ، فسيعلم ذلك ، فسألوه عن الروح ، وعن أصحاب الكهف ، وعن ذي القرنين ، فأنزل الله في كتابه ذلك كله ( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) يعني اليهود " .

حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ; وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله ( ويسألونك عن الروح ) قال : يهود تسأل عنه .

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ( ويسألونك عن الروح ) قال : يهود تسأله .

حدثنا محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله ( ويسألونك عن الروح ) . . . . الآية : " وذلك أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : أخبرنا ما الروح ، وكيف تعذب الروح التي في الجسد ، وإنما الروح من الله عز وجل ، ولم يكن نزل عليه فيه شيء ، فلم يجر إليهم شيئا ، فأتاه جبرائيل عليه السلام ، فقال له ( قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، قالوا له : من جاءك بهذا؟ فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : " جاءني به جبريل من عند الله ، فقالوا : والله ما قاله لك إلا عدو لنا ، فأنزل الله تبارك اسمه ( قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك ) . . . الآية .

حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، عن عبد الله ، قال : كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم ، فمررنا بأناس من اليهود ، فقالوا : يا أبا القاسم ما الروح؟ فأسكت . فرأيت أنه يوحى إليه ، قال : فتنحيت عنه إلى سباطة ، فنزلت عليه ( ويسألونك عن الروح ) . . . . الآية ، فقالت اليهود : هكذا نجده عندنا " . [ ص: 544 ]

واختلف أهل التأويل في الروح الذي ذكر في هذا الموضع ما هي؟ فقال بعضهم : هي جبرئيل عليه السلام .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ( ويسألونك عن الروح ) قال : هو جبرائيل ، قال قتادة : وكان ابن عباس يكتمه .

وقال آخرون : هي ملك من الملائكة .

ذكر من قال ذلك :

حدثني علي ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله ( ويسألونك عن الروح ) قال : الروح : ملك .

حدثني علي ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني أبو مروان يزيد بن سمرة صاحب قيسارية ، عمن حدثه عن علي بن أبي طالب ، أنه قال في قوله ( ويسألونك عن الروح ) قال : هو ملك من الملائكة له سبعون ألف وجه ، لكل وجه منها سبعون ألف لسان ، لكل لسان منها سبعون ألف لغة يسبح الله عز وجل بتلك اللغات كلها ، يخلق الله من كل تسبيحة ملكا يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة .

وقد بينا معنى الروح في غير هذا الموضع من كتابنا ، بما أغنى عن إعادته .

وأما قوله ( من أمر ربي ) فإنه يعني : أنه من الأمر الذي يعلمه الله عز وجل دونكم ، فلا تعلمونه ويعلم ما هو .

وأما قوله ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) فإن أهل التأويل اختلفوا في المعني بقوله ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) فقال بعضهم : عنى بذلك : الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح وجميع الناس غيرهم ، ولكن لما ضم غير المخاطب إلى المخاطب ، خرج الكلام على المخاطبة ، لأن العرب كذلك تفعل إذا اجتمع في الكلام مخبر عنه غائب ومخاطب ، أخرجوا الكلام خطابا للجميع .

ذكر من قال ذلك :

حدثني ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : ثنا محمد بن إسحاق ، عن بعض أصحابه ، عن عطاء بن يسار ، قال : نزلت بمكة ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة [ ص: 545 ] أتاه أحبار يهود ، فقالوا : يا محمد ألم يبلغنا أنك تقول ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) أفعنيتنا أم قومك؟ قال : كلا قد عنيت ، قالوا : فإنك تتلو أنا أوتينا التوراة وفيها تبيان كل شيء ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هي في علم الله قليل ، وقد آتاكم ما إن عملتم به انتفعتم ، فأنزل الله ( ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام ) . . . . إلى قوله ( إن الله سميع بصير ) .

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله عز وجل ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) قال : يا محمد والناس أجمعون .

وقال آخرون : بل عنى بذلك الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح خاصة دون غيرهم .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) يعني : اليهود .

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : خرج الكلام خطابا لمن خوطب به ، والمراد به جميع الخلق ، لأن علم كل أحد سوى الله ، وإن كثر في علم الله قليل .

وإنما معنى الكلام : وما أوتيتم أيها الناس من العلم إلا قليلا من كثير مما يعلم الله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث