الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

باب الوقوف بعرفة

1581 حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان حدثنا عمرو حدثنا محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه كنت أطلب بعيرا لي ح وحدثنا مسدد حدثنا سفيان عن عمرو سمع محمد بن جبير عن أبيه جبير بن مطعم قال أضللت بعيرا لي فذهبت أطلبه يوم عرفة فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم واقفا بعرفة فقلت هذا والله من الحمس فما شأنه ها هنا

التالي السابق


قوله : ( باب التعجيل إلى الموقف ) كذا للأكثر هذه الترجمة بغير حديث وسقط من رواية أبي ذر أصلا ووقع في نسخة الصغاني هنا ما لفظه " يدخل في الباب حديث مالك ، عن ابن شهاب - يعني الذي رواه عن سالم وهو المذكور في الباب الذي قبل هذا - ولكني أريد أن أدخل فيه غير معاد " يعني حديثا لا يكون تكرر كله سندا ومتنا . قلت : وهو يقتضي أن أصل قصده أن لا يكرر فيحمل على أن كل ما وقع فيه من تكرار الأحاديث إنما هو حيث يكون هناك مغايرة إما في السند وإما في المتن حتى أنه لو أخرج الحديث في الموضعين عن شيخين حدثاه به عن مالك لا يكون عنده معادا ولا مكررا وكذا لو أخرجه في موضعين بسند واحد لكن اختصر من المتن شيئا أو أورده في موضع موصولا وفي موضع معلقا ، وهذه الطريق لم يخالفها إلا في مواضع يسيرة مع طول الكتاب إذا بعد ما بين البابين بعدا شديدا . ونقل الكرماني أنه رأى في بعض النسخ عقب هذه الترجمة " قال أبو عبد الله يعني المصنف : يزاد في هذا الباب هم حديث مالك ، عن ابن شهاب ولكني لا أريد أن أدخل فيه معادا " أي مكررا . قلت : كأنه لم يحضره حينئذ طريق للحديث المذكور عن مالك غير الطريقين اللتين ذكرهما وهذا يدل على أنه لا يعيد حديثا إلا لفائدة إسنادية أو متنية كما قدمته ، وأما قوله في هذه الزيادة التي نقلها الكرماني " هم " فهي بفتح [ ص: 602 ] الهاء وسكون الميم ، قال الكرماني : قيل : إنها فارسية وقيل عربية ومعناها قريب من معنى أيضا . قلت : صرح غير واحد من علماء العربية ببغداد بأنها لفظة اصطلح عليها أهل بغداد وليست بفارسية ولا هي عربية قطعا وقد دل كلام الصغاني في نسخته التي أتقنها وحررها - وهو من أئمة اللغة - خلو كلام البخاري عن هذه اللفظة .

قوله : ( باب الوقوف بعرفة ) أي دون غيرها فيما دونها أو فوقها .

وأورد المصنف في ذلك حديثين :

الأول :

قوله : ( حدثنا سفيان ) هو ابن عيينة ، وعمرو هو ابن دينار .

قوله : ( أضللت بعيرا ) كذا للأكثر في الطريق الثانية وفي رواية الكشميهني " لي " كما في الأولى .

قوله : ( فذهبت أطلبه يوم عرفة ) في رواية الحميدي في مسنده ومن طريقه أخرجه أبو نعيم " أضللت بعيرا لي يوم عرفة فخرجت أطلبه بعرفة " فعلى هذا فقوله يوم عرفة يتعلق بأضللت فإن جبيرا إنما جاء إلى عرفة ليطلب بعيره لا ليقف بها .

قوله : ( من الحمس ) بضم المهملة وسكون الميم بعدها مهملة سيأتي تفسيره .

قوله : ( فما شأنه هاهنا ) في رواية الإسماعيلي من طريق عثمان بن أبي شيبة ، وابن أبي عمر جميعا عن سفيان " فما له خرج من الحرم " وزاد مسلم في روايته عن عمرو الناقد ، وأبي بكر بن أبي شيبة ، عن سفيان بعد قوله " فما شأنه هاهنا " : " وكانت قريش تعد من الحمس " وهذه الزيادة توهم أنها من أصل الحديث وليس كذلك بل هي من قول سفيان ، بينه الحميدي في مسنده عنه ولفظه متصلا بقوله " ما شأنه هاهنا ، قال [ ص: 603 ] سفيان والأحمس الشديد على دينه وكانت قريش تسمى الحمس وكان الشيطان قد استهواهم فقال لهم إنكم إن عظمتم غير حرمكم استخف الناس بحرمكم فكانوا لا يخرجون من الحرم " ووقع عند الإسماعيلي من طريقيه بعد قوله " فما له خرج من الحرم " قال سفيان الحمس يعني قريشا وكانت تسمى الحمس وكانت لا تجاوز الحرم ويقولون نحن أهل الله لا نخرج من الحرم وكان سائر الناس يقف بعرفة وذلك قوله : ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس " . انتهى . وعرف بهاتين الزيادتين معنى حديث جبير وكأن البخاري حذفهما استغناء بالرواية عن عروة لكن في سياق سفيان فوائد زائدة . وقد روى بعض ذلك ابن خزيمة ، وإسحاق بن راهويه في مسنده موصولا من طريق ابن إسحاق حدثنا عبد الله بن أبي بكر ، عن عثمان بن أبي سليمان عن عمه نافع بن جبير عن أبيه قال : كانت قريش إنما تدفع من المزدلفة ويقولون نحن الحمس فلا نخرج من الحرم وقد تركوا الموقف بعرفة ، قال : فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية يقف مع الناس بعرفة على جمل له ثم يصبح مع قومه بالمزدلفة فيقف معهم ويدفع إذا دفعوا . ولفظ يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق في المغازي مختصرا وفيه " توفيقا من الله له " . وأخرجه إسحاق أيضا عن الفضل بن موسى ، عن عثمان بن الأسود ، عن عطاء أن جبير بن مطعم قال : أضللت حمارا لي في الجاهلية فوجدته بعرفة فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفا بعرفات مع الناس ، فلما أسلمت علمت أن الله وفقه لذلك . وأما تفسير الحمس فروى إبراهيم الحربي في : " غريب الحديث " من طريق ابن جريج ، عن مجاهد قال : الحمس قريش ومن كان يأخذ مأخذها من القبائل كالأوس والخزرج وخزاعة وثقيف وغزوان وبني عامر وبني صعصعة وبني كنانة إلا بني بكر والأحمس في كلام العرب الشديد وسموا بذلك لما شددوا على أنفسهم وكانوا إذا أهلوا بحج أو عمرة لا يأكلون لحما ولا يضربون وبرا ولا شعرا وإذا قدموا مكة وضعوا ثيابهم التي كانت عليهم . وروى إبراهيم أيضا من طريق عبد العزيز بن عمران المدني قال : سموا حمسا بالكعبة لأنها حمساء حجرها أبيض يضرب إلى السواد . انتهى . والأول أشهر وأكثر وأنه من التحمس وهو التشدد قال أبو عبيدة معمر بن المثنى : تحمس تشدد ومنه حمس الوغى إذا اشتد وسيأتي مزيد لذلك في الكلام على الحديث الذي بعده . وأفادت هذه الرواية أن رواية جبير له لذلك كانت قبل الهجرة وذلك قبل أن يسلم جبير وهو نظير روايته أنه سمعه يقرأ في المغرب بالطور وذلك قبل أن يسلم جبير أيضا كما تقدم ، وتضمن ذلك التعقب على السهيلي حيث ظن أن رواية جبير لذلك كانت في الإسلام في حجة الوداع فقال : انظر كيف أنكر جبير هذا وقد حج بالناس عتاب سنة ثمان وأبو بكر سنة تسع ثم قال : إما أن يكونا وقفا بجمع كما كانت قريش تصنع وإما أن يكون جبير لم يشهد معهما الموسم . وقال الكرماني : وقفة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة كانت سنة عشر وكان جبير حينئذ مسلما لأنه أسلم يوم الفتح فإن كان سؤاله عن ذلك إنكارا أو تعجبا فلعله لم يبلغه نزول قوله تعالى ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس وإن كان للاستفهام عن حكمة المخالفة عما كانت عليه الحمس فلا إشكال ويحتمل أن يكون لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقفة بعرفة قبل الهجرة ، انتهى ملخصا . وهذا الأخير هو المعتمد كما بينته قبل بدلائله وكأنه تبع السهيلي في ظنه أنها حجة الوداع أو وقع له اتفاقا .

ودل هذا الحديث على أن المراد بقوله تعالى ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس الإفاضة من عرفة ، وظاهر سياق [ ص: 604 ] الآية أنها الإفاضة من مزدلفة لأنها ذكرت بلفظة " ثم " بعد ذكر الأمر بالذكر عند المشعر الحرام . وأجاب بعض المفسرين بأن الأمر بالذكر عند المشعر الحرام بعد الإفاضة من عرفات التي سيقت بلفظ الخبر لما ورد منه على المكان الذي تشرع الإفاضة منه فالتقدير فإذا أفضتم اذكروا ثم لتكن إفاضتكم من حيث أفاض الناس لا من حيث كان الحمس يفيضون أو التقدير فإذا أفضتم من عرفات إلى المشعر الحرام فاذكروا الله عنده ولتكن إفاضتكم من المكان الذي يفيض فيه الناس غير الحمس .

الحديث الثاني :



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث