الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك

جزء التالي صفحة
السابق

وإذ قالت الملائكة يامريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين يامريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين قوله - تعالى - : وإذ قالت الملائكة يامريم معطوف على قوله : إذ قالت امرأة عمران متعلق بقوله قبله : والله سميع عليم هذا الخطاب ليس بشرع خصت به ، وإنما هو إلهام بمكانتها عند الله ربما يجب عليها من الشكر بدوام القنوت والصلاة ، ومن اعتقد أنه مكرم اجتهد في المحافظة على كرامته وتباعد أشد التباعد عن كل ما ينقص منها ، فقول الملائكة لها : إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين قد زادها - بمقتضى سنة الفطرة - تعلقا بالكمال كما زادها روحانية بتأثير تلك الأرواح الطيبة التي أمدت روحها الطاهرة ، والاصطفاء الأول هو قبولها محررة لخدمة الله في بيته وكان ذلك خاصا بالرجال ، والتطهير قد فسر بعدم الحيض ، وبذلك كانت أهلا لملازمة المحراب وهو أشرف مكان في المعبد . وروي أن السيدة فاطمة الزهراء ما كانت تحيض وأنها لذلك لقبت بالزهراء . وقال الجلال : إنه التطهير من مسيس [ ص: 247 ] الرجال ، واختار الأستاذ الإمام حمله على ما هو أعم من هذا وذاك ، أي طهرك مما يستقبح كسفساف الأخلاق وذميم الصفات وغير ذلك . والاصطفاء الثاني ما اختصت به من خطاب الملائكة وكمال الهداية . وقال الأستاذ الإمام : هو جعلها تلد نبيا من غير أن يمسها رجل ، فهو على هذا اصطفاء لم يكن قد تحقق بالفعل بل بالإعداد والتهيئة . وبحثوا هنا في قوله : على نساء العالمين هل المراد به عالمو زمانها - كما يقال أرسطو أعظم الفلاسفة ويفهم منه فلاسفة زمانه أو أمته - أم جميع العالمين . وفي الأحاديث إن أفضل النساء مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد - صلى الله عليه وسلم ورضي عنهن - .

يامريم اقنتي لربك أي الزمي طاعته مع الخضوع له واسجدي واركعي مع الراكعين السجود : التطامن والتذلل . والركوع : الانحناء ، ويستعمل في لازمه وسببه ، وهو التواضع والخشوع في العبادة أو غيرها ، وركوعها مع الراكعين عبارة عن صلاتها مع المصلين في المعبد وقد كانت ملازمة لمحرابه كما تقدم . وقد أطلق الركوع والسجود في صلاتنا على العمل المعلوم وهو استعمال للفظ في حقيقته ومجازه إذ الدين يطالبنا بالخشوع واستشعار التواضع في هذا الانحناء والتطامن ، ولم تكن صلاة اليهود كصلاتنا في أعمالها وصورتها ، ولكنهم طولبوا فيها بمثل ما طولبنا من الخشوع والتذلل لله - تعالى - .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث