الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم

فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم عقب قولهم في الملائكة والجن بهذا لأن قولهم ذلك دعاهم إلى عبادة الجن وعبادة الأصنام التي سولها لهم الشيطان وحرضهم عليها الكهان خدمة الجن ، [ ص: 189 ] فعقب ذلك بتأييس المشركين من إدخال الفتنة على المؤمنين في إيمانهم بما يحاولون منهم من الرجوع إلى الشرك ، أو هي فاء فصيحة ، والتقدير : إذا علمتم أن عباد الله المخلصين منزهون عن مثل قولكم ، فإنكم لا تفتنون إلا من هو صال الجحيم .

فيجوز أن يكون هذا الكلام داخلا في حيز الاستفتاء من قوله فاستفتهم ألربك البنات الآية . ويجوز أن يكون تفريعا على قوله " وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا " الآية .

والواو في قوله " وما تعبدون " واو العطف أو واو المعية ، وما بعدها مفعول معه ، والخبر هو " ما أنتم عليه بفاتنين " .

وضمير " أنتم " خطاب للمشركين مثل ضمير " إنكم " .

والمعنى : أنكم مصطحبين بالجن الذين تعبدونهم لا تفتنون أحدا . ووجه ذكر المفعول معه أنهم كانوا يموهون للناس أن الجن تنفع وتضر وأن الأصنام كذلك ، وكانوا يخوفون الناس من بأسها وانتقامها كما قالت امرأة الطفيل بن عمرو الدوسي لما أسلم ودعاها إلى الإسلام : " ألا تخشى على الصبية من ذي الشرى ؟ قال : لا ، فأسلمت ، وكانوا يزعمون أن من يسب الأصنام يصيبه البرص أو الجذام .

قال ابن إسحاق : لما قدم ضمام بن ثعلبة وافد بني سعد بن بكر على قومه من عند النبيء صلى الله عليه وسلم قال في قوله : باست اللات والعزى . فقالوا : يا ضمام اتق الجذام اتق الجنون .

ولا يستقيم أن تكون الواو عاطفة لأن الأصنام لا يسند إليها الإفتان .

وجوز في الكشاف أن يكون قوله " وما تعبدون " مفعولا معه سادا مسد خبر ( إن ) ، والمعنى : فإنكم مع ما تعبدون ، أي فإنكم قرناء لآلهتكم لا تبرحون تعبدونها ، وهذا كما يقولون : " كل رجل وضيعته " أي مع ضيعته ، أي مقارن لها .

و " ما تعبدون " صادق على الجن لقوله تعالى وجعلوا لله شركاء الجن لأن الجن تصدر منهم فتنة الناس بالإشراك دون الأصنام إذ لا يتصور ذلك منها ، [ ص: 190 ] قال تعالى : ويوم نحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء الآية .

وضمير " عليه " يجوز أن يكون عائدا إلى اسم الجلالة في قوله ليقولون ولد الله أو في قوله " إلا عباد الله " ، ويجوز أن يعود إلى " ما تعبدون " بمراعاة إفراد اسم الموصول وهو ( ما ) .

وحذف مفعول " فاتنين " لقصد العموم . والتقدير : بفاتنين أحدا ، ومعياره صحة الاستثناء في قوله إلا من هو صال الجحيم ، فالاستثناء مفرغ والمستثنى مفعول بفاتنين .

وحرف ( على ) يتعلق ب " فاتنين " إما لتضمين " فاتنين " معنى مفسدين إن كان الضمير المجرور بها عائدا إلى اسم الجلالة كما يقال : فسد العبد على سيده ، وخلق فلان المرأة على زوجها ، وتكون ( على ) للاستعلاء المجازي لأن تضمين مفسدين فيه معنى الغلبة .

وإما لتضمينه معنى حاملين ومسئولين ، ويكون ( على ) بمعنى لام التعليل كقوله ولتكبروا الله على ما هداكم ، ويكون تقدير مضاف بين ( على ) ومجرورها تقديره : على عبادة ما تعبدون ، والمعنى : أنكم والشياطين لا يتبعكم أحد في دينكم إلا من عرض نفسه ليكون صالي الجحيم ، وهذا في معنى قوله تعالى إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين وإن جهنم لموعدهم أجمعين .

ورسم في المصحف " صال الجحيم " بدون ياء بعد اللام اعتبارا بحالة الوصل ، فإن الياء لا ينطق بها فرسمه كاتب المصحف بمثل حالة النطق ، ولذلك ينبغي أن لا يوقف على " صال " .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث