الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


كتاب الوصية

باب الأمر بالوصية

حدثني مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما حق امرئ مسلم له شيء يوصى فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته عنده مكتوبة

قال مالك الأمر المجتمع عليه عندنا أن الموصي إذا أوصى في صحته أو مرضه بوصية فيها عتاقة رقيق من رقيقه أو غير ذلك فإنه يغير من ذلك ما بدا له ويصنع من ذلك ما شاء حتى يموت وإن أحب أن يطرح تلك الوصية ويبدلها فعل إلا أن يدبر مملوكا فإن دبر فلا سبيل إلى تغيير ما دبر وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما حق امرئ مسلم له شيء يوصى فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته عنده مكتوبة قال مالك فلو كان الموصي لا يقدر على تغيير وصيته ولا ما ذكر فيها من العتاقة كان كل موص قد حبس ماله الذي أوصى فيه من العتاقة وغيرها وقد يوصي الرجل في صحته وعند سفره قال مالك فالأمر عندنا الذي لا اختلاف فيه أنه يغير من ذلك ما شاء غير التدبير [ ص: 106 ]

التالي السابق


[ ص: 106 ] 37 - كتاب الوصية

1 - باب الأمر بالوصية

1492 1447 - ( مالك عن نافع ) الثقة الثبت الفقيه المشهور ( عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ما ) نافية ، أي ليس ( حق امرئ مسلم ) كذا في أكثر الروايات ، وسقط لفظ مسلم من رواية أحمد عن إسحاق بن عيسى عن مالك ، والوصف به خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له ، أو ذكر للتهييج لتقع المبادرة لامتثاله لما يشعر به من نفي الإسلام عن تارك ذلك ، فإن الذي يمتثل لأمر ويجتنب النهي إنما هو لمسلم ، ووصية الكافر جائزة في الجملة إجماعا ، حكاه ابن المنذر وبحث فيه السبكي بأنها شرعت زيادة في العمل الصالح ، والكافر لا عمل له بعد الموت ، وأجاب بأنهم نظروا إلى أن الوصية كالإعتاق وهو يصح من الذمي والحربي ( له شيء ) صفة لامرئ ( يوصى فيه ) صفة لشيء ، قال ابن عبد البر : لم تختلف الرواة عن مالك في هذا اللفظ ، ورواه أيوب وعبيد الله كلاهما عن نافع عند مسلم بلفظ : " له شيء يريد أن يوصي فيه " . ورواه الشافعي عن سفيان عن نافع بلفظ : " ما حق امرئ يؤمن بالوصية " . قال أبو عمر : فسره ابن عيينة ، أي يؤمن بأنها حق . وأخرجه أبو عوانة من طريق هشام بن الغاز وابن عبد البر عن سليمان بن موسى كلاهما عن نافع بلفظ : " لا ينبغي لمسلم أن يبيت ليلتين " . . . إلخ . وأخرجه الطبراني من طريق الحسن عن ابن عمر مثله . وأخرجه الإسماعيلي من طريق روح بن عبادة عن مالك وابن عون جميعا عن نافع بلفظ : " ما حق امرئ مسلم له مال يريد أن يوصي فيه " . وأخرجه الطحاوي وابن عبد البر من طرق ابن عون بلفظ : " لا يحل لامرئ مسلم له مال " . قال أبو عمر : لم يتابع ابن عون على هذه اللفظة ، قال الحافظ : إن عنى عن نافع بلفظهما فمسلم ، لكن المعنى يمكن أن يتحد كما [ ص: 107 ] يأتي ، وإن عنى عن ابن عمر فمردود ، فقد رواه الدارقطني من طريق عمرو بن دينار عن ابن عمر مرفوعا : " لا يحل لمسلم يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده " . قال ابن عبد البر : رواية " له مال " أولى عندي من رواية " له شيء " لأن الشيء يطلق على القليل والكثير بخلاف المال ، كذا قال وهي دعوى لا دليل عليها وعلى تسليمها فرواية " شيء " أشمل لأنها تعم المتمول وغيره كالمختصات اهـ .

( يبيت ) صفة ثانية لمسلم ، ومفعوله محذوف تقديره " آمنا " أو " ذاكرا " أو " موعوكا " كما جزم به الطيبي ، والخبر ما دل عليه الاستثناء ، ويحتمل أن ( يبيت ) خبر المبتدأ بتأويله بالمصدر تقديره : ما حقه بيتوتة ليلتين وهو بهذه الصفة ، فارتفع الفعل بعد حذف ( أن ) كقوله تعالى : ( ومن آياته يريكم البرق ) ( سورة الروم : الآية 24 ) قال في المصابيح والفتح وغيرهما ، وتعقب بأنه قياس فاسد وفيه تغير المعنى أيضا ، وإنما قد رأت في الآية لأن قوله ومن آياته في موضع الخبر ، والفعل لا يقع مبتدأ فيقدران فيه حتى يكون في معنى المصدر فيصح حينئذ وقوعه مبتدأ ، فمن له ذوق يعلم هذا ويعلم أن ما قاله يغير المعنى ورد بأن في رواية النسائي من طريق فضيل بن عياض عن عبيد الله عن نافع بلفظ " أن يبيت " فصرح بأن المصدرية ولم يظهر فساد ولا تغير معنى إذ غايته أنه ظرف والآية مبتدأ ، فاختلاف الإعراب فيهما لا يقتضي فساد القياس; إذ التنظير من حيث تقدير أن ولو اختلفا في الإعراب ، والفعل مرفوع في الآية والحديث ( ليلتين ) كذا لأكثر الرواة . ولأبي عوانة والبيهقي من طريق أيوب ليلة أو ليلتين . ولمسلم والنسائي من طريق الزهري عن سالم عن أبيه : يبيت ثلاث ليال ، وكأن ذكر الليلتين والثلاث لرفع الحرج لتزاحم أشغال المرء التي يحتاج إلى ذكرها ، ففسح له هذا القدر ليتذكر ما يحتاج إليه ، واختلاف الروايات فيه دال على أنه للتقريب لا للتحديد ، والمعنى : لا يمضي عليه زمان ولو قل ( إلا ووصيته ) الواو للحال ( عنده مكتوبة ) بخطه أو بغير خطه ، وفيه إشارة إلى اغتفار الزمن اليسير وأن الثلاثة غاية للتأخير . قال الطيبي : في تخصيص الليلتين والثلاث بالذكر تسامح في إرادة المبالغة ، أي لا ينبغي أن يبيت زمنا ما وقد سامحناه في الليلتين والثلاث فلا ينبغي له تجاوز ذلك ، وفيه أن الأشياء ينبغي أن تضبط بالكتابة لأنها أثبت من الضبط بالحفظ لأنه يخون غالبا ، واستدل به على جواز الاعتماد على الكتابة والخط ولو لم يقترن ذلك بالشهادة . وخص أحمد ومحمد بن نصر ذلك بالوصية لثبوت ذلك فيها دون غيرها من الأحكام ، وأجاب الجمهور بأن الكتابة ذكرت لما فيها من ضبط المشهود به ، قالوا : ومعنى قوله " ووصيته عنده مكتوبة " أي بشرطها مشهود عليها ، وتعقب بأن إضمار الإشهاد فيه بعد . وأجيب بأنهم احتجوا له بأمر خارج لقوله تعالى : ( شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية ) ( سورة المائدة : الآية 106 ) [ ص: 108 ] فإنه يدل على اعتبار الإشهاد في الوصية . وقال القرطبي : ذكر الكتابة مبالغة في زيادة التوثق وإلا فالوصية المشهود بها متفق عليها ولو لم تكن مكتوبة اهـ . وقد روى ابن القاسم في المجموعة والعتبية : إذا وجدت وصية بخط الميت من غير إشهاد وعلم أنها خطه بشهادة عدلين لا يثبت شيء منها ; لأنه قد يكتب ولا يعزم ، واحتج بهذا الحديث مع ظاهر الآية على وجوب الوصية ، وبه قال عطاء والزهري وداود وآخرون واختاره ابن جرير ، وذهب الجمهور إلى استحبابها حتى نسبه ابن عبد البر إلى الإجماع سوى من شذ ، وأجابوا عن الآية بأنها منسوخة كما قال ابن عباس عند البخاري ، وعن الحديث بأن المراد ما حق الجزم والاحتياط لأنه قد يفجأه الموت وهو على غير وصية ، ولا ينبغي للمؤمن أن يغفل عن ذكر الموت والاستعداد له ، وبهذا أجاب الشافعي ، وقال غيره : الحق لغة الشيء الثابت ، ويطلق شرعا على ما ثبت به الحكم ، والحكم الثابت أعم من أن يكون واجبا أو مندوبا ، وقد يطلق على المباح أيضا لكن بقلة ، قاله القرطبي ، قال : فإن اقترن به على أو نحوها كان ظاهرا في الوجوب وإلا فهو على الاحتمال ، وعلى هذا التقدير فلا حجة في الحديث للوجوب ، بل اقترن هذا الحق بما يدل على الندب وهو تفويضه الوصية إلى إرادة الموصي في رواية " له شيء يريد أن يوصي فيه " ، فلو كانت واجبة لما علقها بإرادته .

وأما رواية " لا يحل " فيحتمل أن راويها ذكرها بالمعنى ، وأراد بنفي الحل ثبوت الجواز بالمعنى الأعم الذي يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح ، وأجاب أبو ثور بأن الوجوب في الآية والحديث يختص بمن كان عليه حق شرعي يخشى ضياعه على صاحبه إن لم يوص به كوديعة ودين لله تعالى أو لآدمي ، ويدل على ذلك قوله " له شيء يريد أن يوصي فيه " ; لأن فيه إشارة إلى قدرته على تنجيزه ولو كان مؤجلا ، فإذا أراد ذلك ساغ له ، وإن أراد أن يوصي به ساغ له ، وحاصله يرجع إلى قول الجمهور أن الوصية لا تجب لعينها وإنما تجب لعين الخروج من الحقوق الواجبة للغير بتنجيز أو وصية ، ومحل وجوبها إذا عجز عن تنجيز ما عليه وكان لم يعلم ذلك غيره ممن يثبت الحق بشهادته ، فإن قدر أو علم غيره فلا وجوب ، فعلم أنها قد تجب وقد تستحب لمن رجا منها كثرة الأجر ، وقد تكره في عكسه وتباح فيما استوى الأمران فيه ، فتحرم كما إذا كان فيها إضرار لحديث الإضرار في الوصية من الكبائر ، أخرجه النسائي عن ابن عباس تبعا لغيره ، رفعه برجال ثقات وسعيد بن منصور عنه موقوفا بإسناد صحيح . واحتج ابن بطال تبعا لغيره بأن ابن عمر لم يوص فلو وجبت لما تركها ، وهو راوي الحديث وتعقب بأن العبرة بما روى لا بما رأى . على أن الثابت عنه في مسلم : لم أبت ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك إلا ووصيتي مكتوبة عندي . واحتج من قال إنه لم يوص [ ص: 109 ] بما رواه ابن المنذر وغيره بسند صحيح عن أيوب عن نافع قال : قيل لابن عمر : ألا توصي ؟ قال : أما مالي فالله يعلم ما كنت أصنع به ، وأما رباعي فلا أحب أن يشارك ولدي فيها أحد . وجمع الحافظ بينه وبين ما رواه مسلم بالحمل على أنه كان يكتب وصيته ويتعاهدها ثم صار ينجز ما كان يوصي به معلقا وإليه الإشارة بقوله : الله يعلم ما كنت أصنع ، ولعل الحامل له على ذلك حديثه : إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح ، الحديث . وفي قوله " له شيء " صحة الوصية بالمنافع ، وهو قول الجمهور ، ومنعه ابن أبي ليلى وابن شبرمة وداود وأتباعه واختاره ابن عبد البر ، وفيه الحض على الوصية ومطلقها يتناول الصحيح ، لكن خصها السلف بالمريض ولم يقيد به في الخبر لاطراد العادة به ، وفيه الندب إلى التأهب للموت والاحتراز قبل الفوت; لأن الإنسان لا يدري متى يفجأه الموت لأنه ما من سن يفرض إلا وقد مات فيه جمع جم ، فكل واحد بعينه جائز أن يموت في الحال ، فينبغي أن يكون متأهبا لذلك فيكتب وصيته ويجمع فيه ما يحصل له الأجر ويحط عنه الوزر من حقوق الله وحقوق عباده . وأخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف عن مالك به وتابعه عبيد الله بن عمر وأيوب وأسامة الليثي ويونس وهشام بن سعد ، كلهم عن نافع عند مسلم وغيره .

( قال مالك : الأمر المجتمع عليه عندنا أن الموصي إذا أوصى في صحته أو مرضه بوصية فيها عتاقة ) بفتح العين ، مصدر كالعتق ( رقيق من رقيقه أو غير ذلك ) كوصية بمال ( فإنه يغير ) يبدل ( من ذلك ما بدا له ) لأن عقدها منحل ( ويصنع من ذلك ما شاء حتى يموت ) فإذا مات ولم يبدل لزمت في ثلثه . ( وإن أحب أن يطرح ) يلقي ، أي يبطل ( تلك الوصية ويبدلها ) بغيرها ( فعل ) بل له الرجوع عنها بلا إبدال ( إلا أن يدبر مملوكا ) له أنثى أو ذكر بنحو أن يقول : أنت مدبر ( فإن دبر فلا سبيل إلى تغيير ما دبر ) لأنه صار فيه عقد حرية ( وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما حق امرئ مسلم له شيء يوصى فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته عنده مكتوبة " ) قال الطيبي والكرماني : " ما " نافية " وله شيء " صفة امرئ " ويوصى فيه " صفة لشيء " ويبيت ليلتين " صفة ثالثة ، والمستثنى خبر ، ومفعول ( يبيت ) محذوف تقديره : ذاكرا أو آمنا . وقال ابن التين : تقديره " موعوكا " والأول أولى لأن استحباب الوصية لا يختص [ ص: 110 ] بالمريض ، نعم ، قال العلماء : لا يندب أن يكتب جميع الأشياء المحقرة ولا ما جرت العادة بالخروج منه والوفاء له عن قرب . ( قال مالك : فلو كان الموصي لا يقدر على تغيير وصيته ولا ما ذكر فيها من العتاقة كان كل موص قد حبس ) منع ( ماله الذي أوصى فيه من العتاقة وغيرها ) فدل الحديث على أن عقد الوصية غير لازم ( وقد يوصي الرجل في صحته وعند سفره ) فلو لم يكن له رجوع لزم الحجر ( والأمر الذي لا اختلاف فيه أنه يغير من ذلك ما شاء غير التدبير ) لأنه عقد حرية .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث