الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما جاء في صوم رسول الله صلى الله عليه وسلم

( باب ما جاء في صوم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - )

تطوعا
كما قال ميرك : نظرا إلى أكثر ما ورد أو إلى أصالته في عنوان الباب أو فرضا ، ونفلا كما ذكره ابن حجر إلا أن الأولى أن يقول نفلا أو فرضا ; لأنه ذكر تبعا ، وفي بعض النسخ باب ما جاء في صيام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والصوم بالفتح والصيام [ ص: 116 ] بالكسر بمعنى واحد إلا أن أصل الصيام صوام قلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها كالقيام .

( حدثنا قتيبة بن سعيد ) بتحتية ( حدثنا حماد بن زيد ) وفي نسخة عن حماد بن سلمة ( عن أيوب عن عبد الله بن شقيق قال سألت عائشة عن صيام رسول الله ) وفي نسخة عن صيام النبي ( - صلى الله عليه وسلم - قالت كان ) أي : أحيانا ( يصوم ) أي : صياما متتابعا في النفل ( حتى نقول ) أي : نحن في أنفسنا أو القول بمعنى الظن ; لأنه قد يرد بمعنى سائر الأفعال أي : حتى نظن ( قد صام ) أي : جميع الشهر ، والأيام أو داوم على الصيام ، وفي رواية مسلم قد صام قال ميرك : والرواية بالنون ، وفي بعض النسخ التاء المثناة من فوق أي : تقول أيها السامع لو أبصرته ، ويجوز بياء الغائب أي : يقول القائل ، ويؤيده ما وقع عند البخاري من حديث ابن عباس ، ويصوم حتى يقول القائل لا والله لا يفطر ، ويفطر حتى يقول القائل لا والله لا يصوم ، ويجوز الرفع ، ومنه قوله تعالى ( حتى يقول الرسول ) بالرفع في قراءة نافع انتهى ما كتبه في الهامش .

لكن قال في شرحه : الرواية الصحيحة الفصيحة بنصب يقول ، وبعضهم جوز الرفع ، وهو ضعيف رواية ودراية انتهى .

وفيه أنه إذا لم يكن حتى للغاية يجوز رفع مدخولها بحسب الدراية عند عدم وجود الرواية والله ولي الهداية في البداية والنهاية ( ويفطر ) أي : وكان أحيانا يفطر إفطارا متواليا ( حتى نقول قد أفطر ) أي : كل الإفطار ، وأفطر الشهر كله ، وفي رواية مسلم قد أفطر ( قالت : وما صام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهرا كاملا ) فيه تنبيه على أن تتابع صومه كان دون الشهر ( منذ قدم المدينة ) أي : بعد الهجرة ( إلا رمضان ) أي : ; فإنه صامه كاملا لكونه فرضا لازما ، وفيه إيماء إلى أنه يستحب أن لا يخلو شهر من صوم نفل ، وأن لا يكثر منه حتى لا يمل بل على وجه التوسط والاقتصار ، وقيدت بابتداء قدومه المدينة في السنة الثانية من الهجرة قال ابن حجر : وهو مأخوذ من الرمض ، وهو شدة الحر لأن العرب لما أرادوا أن يضعوا أسماء الشهور بناء على القول الضعيف أن الواضع غير الله تعالى وافق أن الشهر المذكور شديد الحر ، فسموه بذلك كما سمي الربيعان لموافقتهما زمن الربيع .

قلت فيه نظر ; لأن رمضان على هذا الحساب يقع في أول الخريف فلا يكون في شدة الحر .

والتحقيق أن الواضع هو الله تعالى ، وهو لا ينافي أن يكون وقت إلهام ذلك الاسم طابق المسمى ، ولا يعارضه أيضا أن يكون له وجه آخر من وجوه التسمية ، فاندفع قوله لا من رمض الذنوب أي : أحرقها ; لأن تلك التسمية قبل الشرع انتهى .

مع ما فيه من أن الصوم من المشروع القديم كما يفهم من قوله تعالى كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم وقد نوع صاحب القاموس حيث قال : وسمي به ; لأنه لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها ، فوافق رمضان زمن الحر ، والرمض أو [ ص: 117 ] من رمض الصائم اشتد جوفه أو لأنه يحرق الذنوب ، ورمضان إن صح من أسماء الله تعالى فغير مشتق أو رجع إلى معنى الغافر أي يمحو الذنوب ، ويمحقها ، وقال شارح من علمائنا فيه دليل للمذهب الصحيح المختار الذي ذهب إليه البخاري ، والمحققون أنه يجوز أن يقال رمضان من غير ذكر الشهر بلا كراهة ، وقالت طائفة : لا يقال رمضان بانفراده بحال ، وإنما يقال شهر رمضان ، وهذا قول أصحاب مالك ، وزعم هؤلاء أن رمضان بانفراده بحال ، وإنما يقال شهر رمضان ، وهذا قول أصحاب مالك ، وزعم هؤلاء أن رمضان اسم من أسماء الله تعالى ، فلا يطلق على غيره إلا بقيد ، وقال أكثر أصحاب الشافعي : وابن الباقلاني إن كان هناك قرينة تصرفه إلى الشهر ، فلا كراهة وإلا فيكره فيقال صمنا رمضان وقمنا رمضان ورمضان أفضل الأشهر ونحو ذلك ، وإنما يكره أن يقال جاء رمضان ، ودخل رمضان قلت فيه قرينة صارفة أيضا ، وهي تنزيه الله تعالى عن المجيء ، والدخول ، وقد جاء في حديث صحيح .

إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة .

فينبغي أن يمثل بقوله أحب رمضان ، ونحوه والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث