الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

حقيقة المراقبة

المراقبة هي ملاحظة الرقيب وانصراف الهم إليه ، ويعنى بها حالة للقلب يثمرها نوع من المعرفة ، وتثمر تلك الحالة أعمالا في الجوارح وفي القلب . أما الحالة فهي مراعاة القلب للرقيب وملاحظته إياه ، وأما المعرفة فهي العلم بأن الله مطلع على الضمائر ، عالم بالسرائر ، رقيب على أعمال العباد ، قائم على كل نفس بما كسبت ، وأن سر القلب في حقه مكشوف كما أن ظاهر البشرة للخلق مكشوف . ثم للمراقب في أعماله نظران : نظر قبل العمل ، ونظر في العمل ، أما قبل العمل فلينظر همه وحركته أهي لله خاصة أو لهوى النفس ومتابعة الشيطان فيتوقف فيه ويتثبت حتى ينكشف له ذلك بنور الحق ، فإن كان لله تعالى أمضاه ، وإن كان لغير الله استحيا من الله وانكف عنه ثم لام نفسه على رغبته فيه وهمه به وميله إليه ، وعرفها سوء فعلها وأنها عدوة نفسها . وأما النظر الثاني للمراقبة عند الشروع في العمل فذلك بتفقد كيفية العمل ليقضي حق الله فيه ، ويحسن النية في إتمامه ، ويتعاطاه على أكمل ما يمكنه .

وهذا ملازم له في جميع أحواله ؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون في طاعة أو في معصية أو في مباح ، فمراقبته في الطاعات بالإخلاص والإكمال ومراعاة الأدب وحراستها عن الآفات ، وإن كان في معصية فمراقبته بالتوبة والندم والإقلاع والحياء والاشتغال بالتفكير ، وإن كان في مباح فمراقبته بمراعاة الأدب ، ثم بشهود المنعم في النعمة وبالشكر عليها . ولا يخلو العبد في جملة أحواله عن بلية لا بد له من الصبر عليها ، ونعمة لا بد له من الشكر عليها ، وكل ذلك من المراقبة . بل لا ينفك العبد في كل حال من فرض الله تعالى عليه : إما فعل يلزمه مباشرته ، أو [ ص: 308 ] محظور يلزمه تركه ، أو ندب حث عليه ليسارع به إلى مغفرة الله تعالى ويسابق به عباد الله ، أو مباح فيه صلاح جسمه وقلبه وفيه عون له على طاعته ، ولكل واحد من ذلك حدود لا بد من مراعاتها بدوام المراقبة : ( ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه ) [ الطلاق : 1 ] ومن كان فارغا من الفرائض وقدر على الفضائل فينبغي أن يلتمس أفضل الأعمال ليشتغل بها ، فإن من فاته مزيد ربح وهو قادر على دركه فهو مغبون ، والأرباح تنال بمزايا الفضائل .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث