الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 358 - 361 ] كتاب الإكراه

قال : ( الإكراه يثبت حكمه إذا حصل ممن يقدر على إيقاع ما توعد به سلطانا كان أو لصا ) ; لأن الإكراه اسم لفعل يفعله المرء بغيره ، فينتفي به رضاه أو يفسد به اختياره مع بقاء أهليته ، وهذا إنما يتحقق إذا خاف المكره تحقيق ما توعد به وذلك إنما يكون من القادر والسلطان وغيره سيان عند تحقق القدرة ، والذي قاله أبو حنيفة رحمه الله : إن الإكراه لا يتحقق إلا من السلطان لما أن المنعة له والقدرة لا تتحقق بدون المنعة ، فقد قالوا : هذا اختلاف عصر وزمان لا اختلاف حجة وبرهان ولم تكن القدرة في زمنه إلا للسلطان ثم بعد ذلك تغير الزمان وأهله ثم كما تشترط قدرة المكره لتحقق الإكراه يشترط خوف المكره وقوع ما يهدد به ، وذلك بأن يغلب على ظنه . أنه يفعله ليصير به محمولا على ما ادعى إليه من الفعل .

قال : ( وإذا أكره الرجل على بيع ماله أو على شراء سلعة أو على أن يقر لرجل بألف أو يؤاجر داره فأكره على ذلك بالقتل أو بالضرب الشديد أو بالحبس فباع أو اشترى فهو بالخيار إن شاء أمضى البيع وإن شاء فسخه ورجع بالمبيع ) ; لأن من شرط صحة هذه العقود التراضي . قال الله تعالى : { إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم }والإكراه بهذه الأشياء يعدم الرضا فيفسد ، بخلاف ما إذا أكره بضرب سوط أو حبس يوم أو قيد يوم ; لأنه لا يبالي به بالنظر إلى العادة ، فلا يتحقق به الإكراه إلا إذا كان الرجل صاحب منصب يعلم أنه يستضر به لفوات الرضا ، وكذا الإقرار حجة لترجح جنبة الصدق فيه على جنبة الكذب ، وعند الإكراه يحتمل أن يكذب لدفع المضرة ، ثم إذا باع مكرها وسلم مكرها يثبت به الملك عندنا ، وعند زفر رحمه الله لا يثبت ; لأنه بيع [ ص: 362 ] موقوف على الإجازة . ألا ترى أنه لو جاز ، جاز والموقوف قبل الإجازة لا يفيد الملك . ولنا أن ركن البيع صدر من أهله مضافا إلى محله والفساد لفقد شرطه وهو التراضي ، فصار كسائر الشروط المفسدة فيثبت الملك عند القبض ; حتى لو قبضه وأعتقه أو تصرف فيه تصرفا لا يمكن نقضه جاز ، ويلزمه القيمة كما في سائر البياعات الفاسدة ، وبإجازة المالك يرتفع المفسد ، وهو الإكراه وعدم الرضا ، فيجوز إلا أنه لا ينقطع به حق استرداد البائع وإن تداولته الأيدي ولم يرض البائع بذلك بخلاف سائر البياعات الفاسدة ; لأن الفساد فيها لحق الشرع ، وقد تعلق بالبيع الثاني حق العبد وحقه مقدم لحاجته . أما هاهنا الرد لحق العبد وهما سواء ، فلا يبطل حق الأول لحق الثاني .

قال رضي الله تعالى عنه: ومن جعل البيع الجائز المعتاد بيعا فاسدا يجعله كبيع المكره حتى ينقض بيع المشتري من غيره ; لأن الفساد لفوات الرضا ، ومنهم من جعله رهنا لقصد المتعاقدين ، ومنهم من جعله باطلا اعتبارا بالهازل ومشايخ سمرقند رحمهم اللهجعلوه بيعا جائزا مفيدا لبعض الأحكام على ما هو المعتاد للحاجة إليه .

قال : ( فإن كان قبض الثمن طوعا فقد أجاز البيع ) ; لأنه دليل الإجازة كما في البيع الموقوف وكذا إذا سلم طائعا بأن كان الإكراه على البيع لا على الدفع ; لأنه دليل الإجازة ، بخلاف ما إذا أكرهه على الهبة ولم يذكر الدفع فوهب ودفع حيث يكون باطلا ; لأن مقصود المكره الاستحقاق لا مجرد اللفظ ، وذلك في الهبة بالدفع وفي البيع بالعقد على ما هو الأصل فدخل الدفع في الإكراه على الهبة دون البيع .

قال : ( وإن قبضه مكرها فليس ذلك بإجازة ، عليه رده إن كان قائما في يده ) لفساد العقد . .

[ ص: 360 - 361 ]

التالي السابق


[ ص: 360 - 361 ] كتاب الإكراه

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث