الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وقال الكافرون هذا ساحر كذاب

وقال الكافرون هذا ساحر كذاب أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب

بعد أن كشف ما انطوت عليه نفوسهم من العزة والشقاق وإحالة بعثة رسول للبشر من جنسهم ، حوسبوا بما صرحوا به من القول في مجلسهم ذلك ، إشارة بهذا الترتيب إلى أن مقالتهم هذه نتيجة لعقيدتهم تلك .

وفي قوله " الكافرون " وضع الظاهر موقع المضمر وكان مقتضى الظاهر أن يقال وقالوا هذا ساحر إلخ ، وهذا لقصد وصفهم بأنهم كافرون بربهم مقابلة لما وصموا به النبيء صلى الله عليه وسلم فوصفوا بما هو شتم لهم يجمع ضروبا من الشتم تأصيلا وتفريعا وهو الكفر الذي هو جماع فساد التفكير وفاسد الأعمال .

ولفظ " هذا " أشاروا به إلى النبيء صلى الله عليه وسلم ، استعملوا اسم الإشارة لتحقير مثله في قوله أهذا الذي يذكر آلهتكم ، وإنما قالوا مقالتهم هذه حين انصرافهم من مجلس أبي طالب المذكور في سبب نزول السورة ، جعلوا النبيء صلى الله عليه وسلم لقرب عهدهم بمحضره كأنه حاضر حين الإشارة إليه .

[ ص: 210 ] وجعلوا حاله سحرا وكذبا لأنهم لما لم تقبل عقولهم ما كلمهم به زعموا ما لا يفهمون منه ( مثل كون الإله واحدا ، أو كونه يعيد الموتى أحياء ) سحرا إذ كانوا يألفون من السحر أقوالا غير مفهومة كما تقدم عند قوله تعالى يعلمون الناس السحر في سورة البقرة .

وزعموا ما يفهمونه ويحيلونه مثل ادعاء الرسالة عن الله كذبا .

وبينوا ذلك بجملتين : إحداهما أجعل الآلهة إلها واحدا ، والثانية جملة أأنزل عليه الذكر من بيننا .

فجملة أجعل الآلهة إلها واحدا بيان لجملة هذا ساحر كذاب ، أي حيث عدوه مباهتا لهم بقلب الحقائق والأخبار بخلاف الواقع .

والهمزة للاستفهام الإنكاري التعجبي ولذلك أتبعوه بما هو كالعلة لقولهم " ساحر " وهو إن هذا لشيء عجاب أي يتعجب منه كما يتعجب من شعوذة الساحر .

وعجاب : " وصف الشيء الذي يتعجب منه كثيرا " لأن وزن فعال بضم أوله يدل على تمكن الوصف مثل : طوال ، بمعنى المفرط في الطول ، وكرام بمعنى الكثير الكرم ، فهو أبلغ من كريم ، وقد ابتدأوا الإنكار بأول أصل من أصول كفرهم ، فإن أصول كفرهم ثلاثة : الإشراك ، وتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم ، وإنكار البعث والجزاء في الآخرة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث