الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


القسم الثاني من قسمي الإيجاز : إيجاز الحذف ، وفيه فوائد .

ذكر أسبابه :

منها : مجرد الاختصار والاحتراز عن العبث لظهوره .

ومنها : التنبيه على أن الزمان يتقاصر عن الإتيان بالمحذوف ، وأن الاشتغال بذكره يفضي إلى تفويت المهم ، وهذه هي فائدة باب التحذير والإغراء ، وقد اجتمعتا في قوله تعالى : ناقة الله وسقياها [ الشمس : 13 ] ، ف ( ناقة الله ) تحذير بتقدير : ( ذروا ) ، و ( سقياها ) إغراء بتقدير : ( الزموا ) .

ومنها : التفخيم والإعظام لما فيه من الإبهام .

قال حازم في منهاج البلغاء : إنما يحسن الحذف لقوة الدلالة عليه ، أو يقصد به تعديد أشياء ، فيكون في تعدادها طول وسآمة ، فيحذف ، ويكتفى بدلالة الحال ، وتترك النفس تجول في الأشياء المكتفى بالحال عن [ ص: 83 ] ذكرها .

قال : ولهذا القصد يؤثر في المواضع التي يراد بها التعجب والتهويل على النفوس ، ومنه قوله في وصف أهل الجنة : حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها [ الزمر : 73 ] ، فحذف الجواب ؛ إذ كان وصف ما يجدونه ويلقونه عند ذلك لا يتناهى ، فجعل الحذف دليلا على صدق الكلام عن وصف ما يشاهدونه ، وتركت النفوس تقدر ما شاءته ، ولا تبلغ مع ذلك كنه ما هنالك .

وكذا قوله : ولو ترى إذ وقفوا على النار [ الأنعام : 27 ] ؛ أي : لرأيت أمرا فظيعا لا تكاد تحيط به العبارة .

ومنها : التخفيف لكثرة دورانه في الكلام كما في حذف حرف النداء ، نحو : يوسف أعرض [ يوسف : 39 ] ، ونون لم يك [ الأنفال : 53 ] ، والجمع السالم ، ومنه قراءة والمقيمي الصلاة [ الحج : 35 ] ، وياء والليل إذا يسر [ الفجر : 4 ] ، وسأل المؤرج السدوسي الأخفش عن هذه الآية فقال : عادة العرب أنها إذا عدلت بالشيء عن معناه نقصت حروفه ، والليل لما كان لا يسري ، وإنما يسرى فيه نقص منه حرف كما قال تعالى : وما كانت أمك بغيا [ مريم : 28 ] ، الأصل ( بغية ) ، فلما حول عن فاعل نقص منه حرف .

ومنها : كونه لا يصلح إلا له ، نحو : عالم الغيب والشهادة [ الأنعام : 73 ] ، فعال لما يريد . ومنها : شهرته حتى يكون ذكره وعدمه سواء .

قال الزمخشري : هو نوع من دلالة الحال التي لسانها أنطق من لسان المقال ، وحمل عليه قراءة حمزة : تساءلون به والأرحام [ النساء : 1 ] ؛ لأن هذا مكان شهر بتكرر الجار ، فقامت الشهرة مقام الذكر .

ومنها : صيانته عن ذكره تشريفا كقوله تعالى : قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات الآيات ، حذف فيها المبتدأ في ثلاثة مواضع : قبل ذكر الرب ؛ أي : ( هو رب ) ، ( الله ربكم ) ، ( الله رب المشرق ) ; لأن موسى استعظم حال فرعون وإقدامه على السؤال ، فأضمر اسم الله تعظيما وتفخيما ، ومثله في عروس الأفراح بقوله تعالى : رب أرني أنظر إليك [ الأعراف : 143 ] ؛ [ ص: 84 ] أي : ذاتك .

ومنها : صيانة اللسان عنه تحقيرا له ، نحو : صم بكم [ البقرة : 18 ] ؛ أي : هم أو المنافقون .

ومنها : قصد العموم ، نحو : وإياك نستعين [ الفاتحة : 5 ] ؛ أي : على العبادة وعلى أمورنا كلها . والله يدعو إلى دار السلام [ يونس : 25 ] ؛ أي : كل واحد .

ومنها : رعاية الفاصلة ، نحو : ما ودعك ربك وما قلى [ الضحى : 3 ] ؛ أي : وما قلاك .

ومنها : قصد البيان بعد الإبهام كما في فعل المشيئة ، نحو : فلو شاء لهداكم [ النحل : 9 ] ؛ أي : فلو شاء هدايتكم فإنه إذا سمع السامع ولو شاء تعلقت نفسه بمشاء انبهم عليه لا يدري ما هو ، فلما ذكر الجواب استبان بعد ذلك . وأكثر ما يقع ذلك بعد أداة شرط ؛ لأن مفعول المشيئة مذكور في جوابها .

وقد يكون مع غيرها استدلالا بغير الجواب ، نحو : ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء [ البقرة : 255 ] .

وقد ذكر أهل البيان أن مفعول المشيئة والإرادة لا يذكر إلا إذا كان غريبا أو عظيما ، نحو : لمن شاء منكم أن يستقيم [ التكوير : 28 ] ، لو أردنا أن نتخذ لهوا [ الأنبياء : 17 ] ، وإنما اطرد أو كثر حذف مفعول المشيئة دون سائر الأفعال ؛ لأنه يلزم من وجود المشيئة وجود المشاء ، فالمشيئة المستلزمة لمضمون الجواب لا يمكن أن تكون إلا مشيئة الجواب ؛ ولذلك كانت الإرادة مثلها في اطراد مفعولها ، ذكره الزملكاني والتنوخي في الأقصى القريب . قالوا : وإذا حذف بعد ( لو ) فهو المذكور في جوابها أبدا .

وأورد في عروس الأفراح قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة [ فصلت : 14 ] ، فإن المعنى : لو شاء ربنا إرسال الرسل لأنزل ملائكة ؛ لأن المعنى معين على ذلك .

فائدة : قال الشيخ عبد القاهر : ما من اسم حذف في الحالة التي ينبغي أن يحذف فيها إلا وحذفه أحسن من ذكره ، وسمى ابن جني الحذف شجاعة العربية ؛ لأنه يشجع على الكلام .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث