الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

المطيع لله

الخليفة أبو القاسم الفضل بن المقتدر جعفر بن المعتضد أحمد بن الموفق العباسي .

ولد سنة إحدى وثلاثمائة .

وبويع بحكم خلع المستكفي نفسه سنة 334 ، وأمه اسمها مشغلة أم ولد .

[ ص: 114 ] حدث عن : أبي القاسم البغوي .

روي عنه : أبو الفضل التميمي .

وكان كالمقهور مع نائب العراق ابن بويه ، قرر له في اليوم مائة دينار فقط .

واشتد الغلاء المفرط ببغداد ، فذكر ابن الجوزي أنه اشتري لمعز الدولة كر دقيق بعشرين ألف درهم .

قلت : ذلك سبعة عشر قنطارا بالدمشقي ; [ لأن الكر أربعة وثلاثون كارة ] والكارة خمسون رطلا .

واقتتل صاحب الموصل ناصر الدولة ، ومعز الدولة ، فالتقوا بعكبرا ، فانتصر ناصر الدولة ، ونزل بالجانب الشرقي ، ثم تلاشى أمره وفر ، فوضعت الديلم السيف والنهب في البلد ، وسبيت النساء .

ثم تمكن المطيع قليلا ، ثم اصطلح ابن بويه وصاحب الموصل ، فعز ذلك على الأتراك الذين قوي بهم صاحب الموصل ، وهموا بقتله ، فحاربهم فمزقهم وهرب إليه أبو جعفر بن شيرزاد ، فسمله وسجنه .

وفيها -أعني : سنة 336- خرج معز الدولة والمطيع إلى البصرة [ ص: 115 ] لحرب أبي القاسم عبد الله بن أبي عبد الله البريدي ، فاستأمن إليهم عسكر أبي القاسم ، وهرب هو إلى القرامطة وعظم معز الدولة ، ثم جاء أبو القاسم مستأمنا إلى بغداد ، فأقطع قرى ثم اختلف صاحب الموصل ومعز الدولة ، وفر عن الموصل صاحبها ، ثم صالح على أن يحمل في السنة ثمانية آلاف ألف درهم .

وفي سنة أربع وأربعين وثلاثمائة مرض معز الدولة بعلة الإنعاظ وأرجف بموته ، فعقد إمرة الأمراء لابنه بختيار ، واستوزر أبا محمد المهلبي ، وعظم قدره .

وفي سنة سبع وأربعين استولى معز الدولة على الموصل ، وساق وراء ناصر الدولة إلى نصيبين ، فهرب إلى حلب ، فبالغ أخوه في خدمته ، وتراسلا في أن يكون الموصل بيد سيف الدولة ; لأن ناصر الدولة غدر ونكث غير مرة بابن بويه ، ومنع الحمل ، ثم رد معز الدولة إلى بغداد .

وفي سنة خمسين ضمن معز الدولة الشرطة والحسبة ببغداد ، [ ص: 116 ] وظلم ، وأنشأ دارا لم يسمع بمثلها ، خرب لأجلها دور الناس ، وغرم عليها إلى أن مات ستمائة ألف دينار .

واستضرت الروم على بلاد الشام ، وأخذوا حلب بالسيف وغيرها من المدائن كسروج والرها ، وأول تمكنهم أنهم هزموا سيف الدولة في سنة تسع وثلاثين ، فنجا بالجهد في نفر يسير ، وبلغهم وهن الخلافة ، وعجز سيف الدولة عنهم بعد أن هزمهم غير مرة .

وفي سنة 353 قصد معز الدولة الموصل ، ففر عنها ناصر الدولة ، ثم التقوا فانتصر ناصر الدولة ، وأسر الترك ، واستأمن إليه الديلم ، وأخذ ثقل معز الدولة وخزائنه ، ثم صالحه وكان يقام مأتم عاشوراء ببغداد ، ويقع فتن كبار لذلك .

ثم مات الوزير المهلبي سنة 351 ومات معز الدولة ، فقام ابنه عز الدولة بختيار سنة ست وخمسين فجرت فتنة محمد بن الخليفة المستكفي ; فإنه لما كحل أبوه فر هو إلى مصر ، وأقام عند كافور ، ثم قويت نفسه ، وقدم بغداد سرا ، فعرف عز الدولة ، وبايعه في الباطن كبراء ، فظفر به عز الدولة فقطع أنفه وأذنيه ، وسجنه ثم هرب هو وأخوه علي من الدار يوم عيد ، وصار إلى ما وراء النهر ، وخمل أمره .

وفي سنة ستين فلج المطيع ، وبطل نصفه ، وتملك بنو عبيد مصر [ ص: 117 ] والشام ، وأذنوا بدمشق " بحي على خير العمل " وغلت البلاد بالرفض شرقا وغربا وخفيت السنة قليلا ، واستباحت الروم نصيبين وغيرها ، فلا قوة إلا بالله .

وقتل ببغداد راجل من أعوان الشحنة ، فبعث رئيس بغداد من طرح النار في أسواق ، فاحترقت بغداد حريقا مهولا ، واحترق النساء والأولاد ، فعدة ما احترق ثلاثمائة وعشرون دارا وثلاثمائة وسبعة عشر دكانا ، وثلاثة وثلاثون مسجدا .

وكثر الدعاء على الرئيس ، وهو أبو الفضل الشيرازي ثم سقي وهلك وأنشئت مدينة القاهرة للمعز العبيدي ، ووزر ببغداد أبو طاهر بن بقية ، فكان راتبه من الثلج في اليوم ألف رطل ، ومن الشمع في الشهر ألف من ، فوزر لعز الدولة أربع سنين ، ثم صلبه عضد الدولة .

ولما تحكم الفالج في المطيع دعاه سبكتكين الحاجب إلى عزل نفسه ، وتسليم الخلافة إلى ابنه الطايع ، ففعل ذلك في ثالث عشر ذي القعدة سنة ثلاث وستين . وأثبتوا خلعه على أبي الحسن [ ص: 118 ] بن أم شيبان القاضي ، ثم كان بعد يدعى الشيخ الفاضل .

وفيها أقيمت الدعوة العبيدية بالحرمين للمعز واستفحل البلاء باللصوص ببغداد ، وركبوا الخيل ، وأخذوا الخفارة ، وتلقبوا بالقواد .

ثم إن المطيع خرج وولده الخليفة الطايع لله إلى واسط ، فمات هناك في المحرم سنة أربع وستين وثلاثمائة بعد ثلاثة أشهر من عزله وعمره ثلاث وستون سنة ، رحمه الله .

فكانت خلافته ثلاثين سنة سوى أشهر .

وفي أيامه تلقب صاحب الأندلس الناصر المرواني بأمير المؤمنين وقال : أنا أحق بهذا اللقب من خليفة من تحت يد بني بويه . وصدق الناصر ; فإنه كان بطلا شجاعا سائسا مهيبا له غزوات مشهودة ، وكان خليقا للخلافة ، ولكن كان أعظم منه بكثير المعز العبيدي الإسماعيلي النحلة ، وأوسع ممالكا ، حكم على الحرمين ومصر والشام والمغرب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث