الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

انتفاء التماثل بين الخالق والمخلوق

وقد علم بالحس والضرورة وجود موجود حادث كائن بعد أن لم يكن ، والحادث لا يكون واجبا بنفسه ، ولا قديما أزليا ، ولا خالقا لما سواه ، ولا غنيا عما سواه ، فثبت بالضرورة وجود موجودين : أحدهما واجب ، والآخر ممكن ، أحدهما قديم ، والآخر حادث ، أحدهما غني ، والآخر فقير ، أحدهما خالق ، والآخر مخلوق . وهما متفقان في كون كل منهما شيئا موجودا ثابتا . ومن المعلوم أيضا أن أحدهما ليس مماثلا للآخر في حقيقته ، إذ لو كان كذلك لتماثلا فيما يجب ويجوز ويمتنع ، وأحدهما يجب قدمه وهو موجود بنفسه ، والآخر لا يجب قدمه ولا هو موجود بنفسه ، وأحدهما خالق والآخر ليس بخالق ، وأحدهما غني عما سواه ، والآخر فقير .

فلو تماثلا للزم أن يكون كل منهما واجب القدم ليس بواجب القدم ، موجودا بنفسه غير موجود بنفسه ، خالقا ليس بخالق ، غنيا غير غني ، فيلزم اجتماع الضدين على تقدير تماثلهما . فعلم أن تماثلهما منتف بصريح العقل ، كما هو منتف بنصوص الشرع .

فعلم بهذه الأدلة اتفاقهما من وجه ، واختلافهما من وجه . فمن نفى ما اتفقا فيه كان معطلا قائلا بالباطل ، ومن جعلهما متماثلين كان مشبها [ ص: 63 ] قائلا بالباطل ، والله أعلم . وذلك لأنهما وإن اتفقا في مسمى ما اتفقا فيه ، فالله تعالى مختص بوجوده وعلمه وقدرته وسائر صفاته ، والعبد لا يشركه في شيء من ذلك ، والعبد أيضا مختص بوجوده وعلمه ، وقدرته ، والله تعالى منزه عن مشاركة العبد في خصائصه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث