الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ذلك الكتاب

[ ص: 219 ] ذلك الكتاب

مبدأ كلام لا اتصال له في الإعراب بحروف الم كما علمت مما تقدم على جميع الاحتمالات كما هو الأظهر .

وقد جوز صاحب الكشاف على احتمال أن تكون حروف الم مسوقة مساق التهجي لإظهار عجز المشركين عن الإتيان بمثل بعض القرآن ، أن يكون اسم الإشارة مشارا به إلى الم باعتباره حرفا مقصودا للتعجيز ، أي ذلك المعنى الحاصل من التهجي أي ذلك الحروف باعتبارها من جنس حروفكم هي الكتاب أي منها تراكيبه فما أعجزكم عن معارضته ، فيكون الم جملة مستقلة مسوقة للتعريض واسم الإشارة مبتدأ والكتاب خبرا .

وعلى الأظهر تكون الإشارة إلى القرآن المعروف لديهم يومئذ . واسم الإشارة مبتدأ والكتاب بدل وخبره ما بعده ، فالإشارة إلى الكتاب النازل بالفعل وهي السور المتقدمة على سورة البقرة; لأن كل ما نزل من القرآن فهو المعبر عنه بأنه القرآن وينضم إليه ما يلحق به ، فيكون الكتاب على هذا الوجه أطلق حقيقة على ما كتب بالفعل ، ويكون قوله الكتاب على هذا الوجه خبرا عن اسم الإشارة ، ويجوز أن تكون الإشارة إلى جميع القرآن ما نزل منه وما سينزل لأن نزوله مترقب فهو حاضر في الأذهان فشبه بالحاضر في العيان ، فالتعريف فيه للعهد التقديري والإشارة إليه للحضور التقديري فيكون قوله الكتاب حينئذ بدلا أو بيانا من ذلك والخبر هو لا ريب فيه .

ويجوز الإتيان في مثل هذا باسم الإشارة الموضوع للقريب والموضوع للبعيد ، قال الرضي : وضع اسم الإشارة للحضور والقرب لأنه للمشار إليه حسا ثم يصح أن يشار به إلى الغائب فيصح الإتيان بلفظ البعد لأن المحكي عنه غائب ، ويقل أن يذكر بلفظ الحاضر القريب فتقول جاءني رجل فقلت لذلك الرجل وقلت لهذا الرجل ، وكذا يجوز لك في الكلام المسموع عن قريب أن تشير إليه بلفظ الغيبة والبعد كما تقول : والله وذلك قسم عظيم ، لأن اللفظ زال سماعه فصار كالغائب ولكن الأغلب في هذا الإشارة بلفظ الحضور فتقول : وهذا قسم عظيم اهـ ، أي الأكثر في مثله الإتيان باسم إشارة البعيد ويقل ذكره بلفظ الحاضر ، وعكس ذلك في الإشارة للقول . وابن مالك في التسهيل سوى بين الإتيان بالقريب والبعيد في الإشارة لكلام متقدم إذ قال : وقد يتعاقبان أي اسم القريب والبعيد مشارا [ ص: 220 ] بهما إلى ما ولياه أي من الكلام ، ومثله شارحه بقوله تعالى بعد قصة عيسى ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم ثم قال إن هذا لهو القصص الحق فأشار مرة بالبعيد ومرة بالقريب والمشار إليه واحد ، وكلام ابن مالك أوفق بالاستعمال إذ لا يكاد يحصر ما ورد من الاستعمالين فدعوى الرضي قلة أن يذكر بلفظ الحاضر دعوى عريضة .

وإذا كان كذلك كان حكم الإشارة إلى غائب غير كلام مثل الإشارة إلى الكلام في جواز الوجهين لكثرة كليهما أيضا ، ففي القرآن : فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فإذا كان الوجهان سواء كان ذلك الاستعمال مجالا لتسابق البلغاء ومراعاة مقتضيات الأحوال ، ونحن قد رأيناهم يتخيرون في مواقع الإتيان باسم الإشارة ما هو أشد مناسبة لذلك المقام فدلنا على أنهم يعرفون مخاطبيهم بأغراض لا قبل لتعرفها إلا إذا كان الاستعمال سواء في أصل اللغة ليكون الترجيح لأحد الاستعمالين لا على معنى مثل زيادة التنبيه في اسم الإشارة البعيد كما هنا ، وكما قال خفاف بن ندبة :


أقول له والرمح يأطر متنه تأمل خفافا إنني أنا ذلك

وقد يؤتى بالقريب لإظهار قلة الاكتراث كقول قيس بن الخطيم في الحماسة :


متى يأت هذا الموت لا يلف حاجة     لنفسي إلا قد قضيت قضاءها

فلا جرم أن كانت الإشارة في الآية باستعمال اسم الإشارة للبعيد لإظهار رفعة شأن هذا القرآن لجعله بعيد المنزلة .

وقد شاع في الكلام البليغ تمثيل الأمر الشريف بالشيء المرفوع [ ص: 221 ] في عزة المنال لأن الشيء النفيس عزيز على أهله فمن العادة أن يجعلوه في المرتفعات صونا له عن الدروس وتناول كثرة الأيدي والابتذال ، فالكتاب هنا لما ذكر في مقام التحدي بمعارضته بما دلت عليه حروف التهجي في الم كان كالشيء العزيز المنال بالنسبة إلى تناولهم إياه بالمعارضة أو لأنه لصدق معانيه ونفع إرشاده بعيد عمن يتناوله بهجر القول كقولهم افتراه وقولهم أساطير الأولين ولا يرد على هذا قوله وهذا كتاب أنزلناه فذلك للإشارة إلى كتاب بين يدي أهله لترغيبهم في العكوف عليه والاتعاظ بأوامره ونواهيه . ولعل صاحب الكشاف بنى على مثل ما بنى عليه الرضي فلم يعد " ذلك الكتاب " تنبيها على التعظيم أو الاعتبار ، فلله در صاحب المفتاح إذ لم يغفل ذلك فقال في مقتضيات تعريف المسند إليه بالإشارة : أو أن يقصد ببعده تعظيمه كما تقول في مقام التعظيم ذلك الفاضل وأولئك الفحول وكقوله عز وعلا الم ذلك الكتاب ذهابا إلى بعده درجة .

وقوله : " الكتاب " يجوز أن يكون بدلا من اسم الإشارة لقصد بيان المشار إليه لعدم مشاهدته ، فالتعريف فيه إذن للعهد ، ويكون الخبر هو جملة : " لا ريب فيه " ، ويجوز أن يكون الكتاب خبرا عن اسم الإشارة ويكون التعريف تعريف الجنس فتفيد الجملة قصر حقيقة الكتاب على القرآن بسبب تعريف الجزئين فهو إذن قصر ادعائي ومعناه ذلك هو الكتاب الجامع لصفات الكمال في جنس الكتب بناء على أن غيره من الكتب إذا نسبت إليه كانت كالمفقود منها وصف الكتاب لعدم استكمالها جميع كمالات الكتب ، وهذا التعريف قد يعبر عنه النحاة في تعداد معاني لام التعريف بمعنى الدلالة على الكمال فلا يرد أنه كيف يحصر الكتاب في أنه الم أو في السورة أو نحو ذلك إذ ليس المقام مقام الحصر وإنما هو مقام التعريف لا غير ، ففائدة التعريف والإشارة ظاهرية وليس شيء من ذلك لغوا بحال وإن سبق لبعض الأوهام على بعض احتمال .

والكتاب فعال بمعنى المكتوب إما مصدر كاتب المصوغ للمبالغة في الكتابة ، فإن المصدر يجيء بمعنى المفعول كالخلق ، وإما فعال بمعنى مفعول كلباس بمعنى ملبوس وعماد بمعنى معمود به .

واشتقاقه من كتب بمعنى جمع وضم لأن الكتاب تجمع أوراقه وحروفه ، فإن النبيء - صلى الله عليه وسلم - أمر بكتابة كل ما ينزل من الوحي وجعل للوحي كتابا ، وتسمية القرآن كتابا إشارة إلى وجوب كتابته لحفظه .

وكتابة القرآن فرض كفاية على المسلمين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث