الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله عز وجل فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا

جزء التالي صفحة
السابق

قوله تعالى:

فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شيء مقيتا وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء حسيبا

هذا أمر في ظاهر اللفظ للنبي عليه الصلاة والسلام وحده، لكن لم نجد قط في خبر أن القتال فرض على النبي صلى الله عليه وسلم دون الأمة مدة ما، المعنى -والله أعلم- أنه خطاب للنبي عليه الصلاة والسلام في اللفظ، وهو مثال ما يقال لكل واحد في خاصة نفسه، [ ص: 616 ] أي: أنت يا محمد وكل واحد من أمتك القول له: فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك ، ولهذا ينبغي لكل مؤمن أن يستشعر أن يجاهد ولو وحده، ومن ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: "والله لأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتي" وقول أبي بكر رضي الله عنه وقت الردة: "ولو خالفتني يميني لجاهدتها بشمالي".

وخلط قوم في تعلق الفاء من قوله: "فقاتل" بما فيه بعد، والوجه أنها عاطفة جملة كلام على جملة، وهي دالة على اطراح غير ما أمر به، ثم خص النبي عليه الصلاة والسلام بالأمر بالتحريض، أي: حث المؤمنين على القيام بالفرض الواجب عليهم.

و"عسى" إذا وردت من الله تعالى، فقال عكرمة وغيره: إنها واجبة، لأنها من البشر متوقعة مرجوة، ففضل الله تعالى يوجب وجوبها، وفي هذا وعد للمؤمنين بغلبتهم للكفرة، ثم قوى -بعد ذلك- قلوبهم بأن عرفهم شدة بأس الله، وأنه أقدر على الكفرة، وأشد تنكيلا لهم، التنكيل: الأخذ بأنواع العذاب وترديده عليهم.

وقوله تعالى: من يشفع شفاعة حسنة الآية. أصل الشفاعة والشفعة ونحوها من: الشفع، وهو الزوج في العدد، لأن الشافع ثان لوتر المذنب والشفيع ثان لوتر المشتري.

واختلف في هذه الآية المتأولون، فقال الطبري: المعنى: من يشفع وتر الإسلام بالمعونة للمسلمين، أو من يشفع وتر الكفر بالمعونة على الإسلام. ودله على هذا التأويل ما تقدم من أمر القتال. وقال مجاهد، والحسن، وابن زيد، وغيرهم: هي في شفاعات الناس بينهم في حوائجهم، فمن يشفع لينفع فله نصيب، ومن يشفع ليضر فله كفل. وقال الحسن وغيره: الشفاعة الحسنة هي في البر والطاعة، والسيئة هي في [ ص: 617 ] المعاصي،. وهذا كله قريب بعضه من بعض.

والكفل: النصيب، ويستعمل في النصيب من الخير ومن الشر، وفي كتاب الله تعالى: يؤتكم كفلين من رحمته .

و"مقيتا" معناه: قديرا، ومنه قول الشاعر وهو الزبير بن عبد المطلب:


وذي ضغن كففت النفس عنه وكنت على مساءته مقيتا



أي: قديرا، وعبر عنه ابن عباس ومجاهد: بحفيظ وشهيد. وعبد الله بن كثير: بأنه الواصب القيم بالأمور، وهذا كله يتقارب، ومنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقيت"، على من رواها هكذا، أي: من هو تحت قدرته وفي قبضته من عيال وغيره، وذهب مقاتل بن حيان إلى أنه الذي يقوت كل حيوان، وهذا على أن يقال: أقات بمعنى قات، وعلى هذا يجيء قوله عليه الصلاة والسلام: "من يقيت" من أقات، وقد حكى الكسائي: أقات يقيت، فأما قول الشاعر :


ليت شعري وأشعرن إذا     ما قربوها مطوية ودعيت


ألي الفضل أم علي إذا حو     سبت؟ إني على الحساب مقيت



فقال فيه الطبري: إنه من غير هذا المعنى المتقدم، وإنه بمعنى: موقوف.

[ ص: 618 ] قال القاضي أبو محمد رحمه الله:

وهذا يضعفه أن يكون بناء فاعل بمعنى بناء مفعول.

وقوله تعالى: "وإذا حييتم" الآية، التحية وزنها تفعلة من: حيي، وهذا هو الأغلب من مصدر فعل في المعتل، وروي عن مالك أن هذه الآية في تشميت العاطس، وفيه ضعف، لأنه ليس في الكلام على ذلك دلالة، أما أن الرد على المشمت فمما يدخل بالقياس في معنى رد التحية وهذا هو منحى مالك رحمه الله إن صح ذلك عنه، والله أعلم.

واختلف المتأولون، فقالت فرقة: التحية أن يقول الرجل: سلام عليك، فيجب على الآخر أن يقول: عليك السلام ورحمة الله، فإن قال البادئ: السلام عليك ورحمة الله، قال الراد: عليك السلام ورحمة الله وبركاته، فإن قال البادئ: السلام عليك ورحمة الله وبركاته فقد انتهى، ولم يبق للراد أن يحيي بأحسن منها، فهاهنا يقع الرد المذكور في الآية، فالمعنى عند أهل هذه القالة: إذا حييتم بتحية، فإن نقص المسلم من النهاية فحيوا بأحسن، وإن انتهى فردوا. وقالت فرقة: إنما معنى الآية تخيير الراد، فإذا قال البادئ: السلام عليك، فللراد أن يقول، وعليك السلام، فقط، وهذا هو الرد، وله أن يقول: وعليك السلام ورحمة الله، وهذا هو التحية بأحسن منها، وقال ابن عباس وغيره: المراد بالآية: إذا حييتم بتحية فإن كانت من مؤمن فحيوا بأحسن منها، وإن كانت من كافر فردوا على ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقال لهم: "وعليكم". وروي عن ابن عمر، وابن عباس، وغيرهما: انتهى السلام إلى البركة، وجمهور أهل العلم على ألا يبدأ أهل الكتاب بسلام، فإن سلم أحد ساهيا أو جاهلا فينبغي أن يستقيله سلامه، وشذ قوم في إباحة ابتدائهم، والأول أصوب، لأن به يتصور إذلالهم. وقال ابن عباس: كل من سلم عليك من خلق الله فرد عليه وإن كان مجوسيا، وقال عطاء: الآية في المؤمنين خاصة، ومن سلم من غيرهم قيل له: [ ص: 619 ] عليك، كما في الحديث. وأكثر أهل العلم على أن الابتداء بالسلام سنة مؤكدة، ورده فريضة، لأنه حق من الحقوق، قاله الحسن بن أبي الحسن، وغيره.

و"حسيبا" معناه: حفيظا، وهو فعيل من الحساب، وحسنت هاهنا هذه الصفة إذ معنى الآية في أن يزيد الإنسان أو ينقص أو يوفي قدر ما يجيء به.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث