الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في دخول علي بن أبي طالب رضي الله عنه على زوجته فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 305 ] فصل

في دخول علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، على زوجته فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم

وذلك في سنة ثنتين بعد وقعة بدر لما رواه البخاري ، ومسلم من طريق الزهري ، عن علي بن الحسين عن أبيه الحسين بن علي عن علي بن أبي طالب قال : كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أعطاني شارفا مما أفاء الله عليه من الخمس يومئذ ، فلما أردت أن أبتني بفاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم ، واعدت رجلا صواغا في بني قينقاع أن يرتحل معي فنأتي بإذخر ، فأردت أن أبيعه من الصواغين فأستعين به في وليمة عرسي ، فبينا أنا أجمع لشارفي من الأقتاب والغرائر والحبال ، وشارفاي مناختان إلى جنب حجرة رجل من الأنصار حتى جمعت ما جمعت ، فإذا أنا بشارفي قد أجبت أسنمتهما وبقرت خواصرهما ، وأخذ من أكبادهما ، فلم أملك [ ص: 306 ] عيني حين رأيت المنظر ، فقلت : من فعل هذا ؟ قالوا : فعله حمزة بن عبد المطلب وهو في هذا البيت ، وهو في شرب من الأنصار وعنده قينة وأصحابه ، فقالت في غنائها :


ألا يا حمز للشرف النواء



فوثب حمزة إلى السيف ، فأجب أسنمتهما ، وبقر خواصرهما وأخذ من أكبادهما . قال علي : فانطلقت حتى أدخل على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده زيد بن حارثة فعرف النبي صلى الله عليه وسلم الذي لقيت فقال : ما لك ؟ فقلت : يا رسول الله ، ما رأيت كاليوم ، عدا حمزة على ناقتي فأجب أسنمتهما ، وبقر خواصرهما ، وها هو ذا في بيت معه شرب . فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بردائه فارتداه ، ثم انطلق يمشي ، واتبعته أنا وزيد بن حارثة حتى جاء البيت الذي فيه حمزة فاستأذن عليه فأذن له ، فطفق النبي صلى الله عليه وسلم يلوم حمزة فيما فعل ، فإذا حمزة ثمل محمرة عيناه ، فنظر حمزة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم صعد النظر فنظر إلى ركبتيه ، ثم صعد النظر فنظر إلى وجهه ، ثم قال حمزة : وهل أنتم إلا عبيد لأبي ؟ فعرف النبي صلى الله عليه وسلم أنه ثمل ، فنكص رسول الله صلى الله عليه وسلم على عقبيه القهقرى ، فخرج وخرجنا معه
هذا لفظ البخاري في كتاب المغازي ، وقد [ ص: 307 ] رواه في أماكن أخر من صحيحه بألفاظ كثيرة ، وفي هذا دليل على ما قدمناه من أن غنائم بدر قد خمست ، لا كما زعمه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب " الأموال " من أن الخمس إنما نزل بعد قسمتها ، وقد خالفه في ذلك جماعة ; منهم البخاري وابن جرير ، وبينا غلطه في ذلك في " التفسير " وفيما تقدم . والله أعلم .

وكان هذا الصنع من حمزة وأصحابه ، رضي الله عنهم ، قبل أن تحرم الخمر ، بل قد قتل حمزة يوم أحد كما سيأتي ، وذلك قبل تحريم الخمر . والله أعلم . وقد يستدل بهذا الحديث من يرى أن عبارة السكران مسلوبة لا تأثير لها ; لا في طلاق ، ولا إقرار ، ولا غير ذلك كما ذهب إليه من العلماء ، كما هو مقرر في كتاب " الأحكام " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا سفيان ، عن ابن أبي نجيح عن أبيه ، عن رجل سمع عليا يقول : أردت أن أخطب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته ، فقلت : ما [ ص: 308 ] لي من شيء ، فكيف ؟ ! ثم ذكرت صلته وعائدته فخطبتها إليه ، فقال : هل لك من شيء ؟ قلت : لا . قال : فأين درعك الحطمية التي أعطيتك يوم كذا وكذا ؟ قال : هي عندي . قال : فأعطنيها . قال : فأعطيتها إياه . هكذا رواه أحمد في مسنده ، وفيه رجل مبهم .

وقد قال أبو داود : حدثنا إسحاق بن إسماعيل الطالقاني ، ثنا عبدة ، ثنا سعيد ، عن أيوب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : لما تزوج علي فاطمة رضي الله عنهما ، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أعطها شيئا . قال ما عندي شيء . قال : أين درعك الحطمية ؟ ورواه النسائي ، عن هارون بن إسحاق ، عن عبدة بن سليمان ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن أيوب السختياني به . [ ص: 309 ]

وقال أبو داود : حدثنا كثير بن عبيد الحمصي ، ثنا أبو حيوة ، عن شعيب بن أبي حمزة ، حدثني غيلان بن أنس من أهل حمص ، حدثني محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن عليا لما تزوج فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أراد أن يدخل بها ، فمنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يعطيها شيئا ، فقال : يا رسول الله ، ليس لي شيء . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : أعطها درعك . فأعطاها درعه ، ثم دخل بها .

وقال البيهقي في الدلائل : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم ، ثنا أحمد بن عبد الجبار ، ثنا يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق ، حدثني عبد الله بن أبي نجيح ، عن مجاهد عن علي قال : خطبت فاطمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت مولاة لي : هل علمت أن فاطمة قد خطبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قلت : لا . قالت : فقد خطبت ، فما يمنعك أن تأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيزوجك ؟ فقلت : وعندي شيء أتزوج به ؟ ، فقالت : إنك إن جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجك . قال : فوالله ما زالت ترجيني حتى دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما أن قعدت بين يديه أفحمت ، فوالله ما استطعت أن أتكلم جلالة وهيبة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما جاء بك ، ألك حاجة ؟ فسكت ، فقال : لعلك [ ص: 310 ] جئت تخطب فاطمة . فقلت : نعم . فقال : هل عندك من شيء تستحلها به . فقلت : لا والله يا رسول الله . فقال : ما فعلت درع سلحتكها ؟ - فوالذي نفس علي بيده ، إنها لحطمية ما قيمتها أربعة دراهم - فقلت : عندي . فقال : قد زوجتكها ، فابعث إليها بها فاستحلها بها . فإن كانت لصداق فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال ابن إسحاق : فولدت فاطمة لعلي ، حسنا ، وحسينا ، ومحسنا - مات صغيرا - وأم كلثوم وزينب .

ثم روى البيهقي : من طريق عطاء بن السائب عن أبيه ، عن علي قال : جهز رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة في خميل وقربة ووسادة أدم حشوها إذخر . ونقل البيهقي عن كتاب " المعرفة " لأبي عبد الله بن منده أن عليا تزوج فاطمة بعد سنة من الهجرة ، وابتنى بها بعد ذلك بسنة أخرى .

قلت : فعلى هذا يكون دخوله بها في أوائل السنة الثالثة من الهجرة ، فظاهر سياق حديث الشارفين ، يقتضي أن ذلك عقب وقعة بدر بيسير ، فيكون ذلك كما ذكرناه في أواخر السنة الثانية . والله أعلم

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث