الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم

( ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون )

قوله تعالى : ( ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون )

قال المفسرون : لما قال يعقوب : ( وما أغني عنكم من الله من شيء ) صدقه الله في ذلك فقال : وما كان ذلك التفرق يغني من الله من شيء ، وفيه بحثان :

البحث الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : ذلك التفرق ما كان يرد قضاء الله ، ولا أمرا قدره الله .

وقال الزجاج : إن العين لو قدر أن تصيبهم لأصابتهم وهم متفرقون كما تصيبهم وهم مجتمعون .

وقال ابن الأنباري : لو سبق في علم الله أن العين تهلكهم عند الاجتماع لكان تفرقهم كاجتماعهم ، وهذه الكلمات متقاربة ، وحاصلها أن الحذر لا يدفع القدر .

البحث الثاني : قوله : ( من شيء ) يحتمل النصب بالمفعولية والرفع بالفاعلية . [ ص: 141 ]

أما الأول : فهو كقوله : ما رأيت من أحد ، والتقدير : ما رأيت أحدا ، فكذا ههنا ، تقدير الآية : أن تفرقهم ما كان يغني من قضاء الله شيئا ، أي ذلك التفرق ما كان يخرج شيئا من تحت قضاء الله تعالى .

وأما الثاني : فكقولك : ما جاءني من أحد ، وتقديره : ما جاءني أحد ، فكذا ههنا ، التقدير : ما كان يغني عنهم من الله شيء مع قضائه .

أما قوله : ( إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها ) فقال الزجاج : إنه استثناء منقطع ، والمعنى : لكن حاجة في نفس يعقوب قضاها ، يعني أن الدخول على صفة التفرق قضاء حاجة في نفس يعقوب قضاها ، ثم ذكروا في تفسير تلك الحاجة وجوها :

أحدها : خوفه عليهم من إصابة العين .

وثانيها : خوفه عليهم من حسد أهل مصر .

وثالثها : خوفه عليهم من أن يقصدهم ملك مصر بشر .

ورابعها : خوفه عليهم من أن لا يرجعوا إليه ، وكل هذه الوجوه متقاربة .

وأما قوله : ( وإنه لذو علم لما علمناه ) فقال الواحدي : يحتمل أن يكون ( ما ) مصدرية ، والهاء عائدة إلى يعقوب ، والتقدير : وإنه لذو علم من أجل تعليمنا إياه ، ويمكن أن تكون ( ما ) بمعنى الذي ، والهاء عائدة إليها ، والتأويل : وإنه لذو علم للشيء الذي علمناه ، يعني أنا لما علمناه شيئا حصل له العلم بذلك الشيء ، وفي الآية قولان آخران :

الأول : أن المراد بالعلم الحفظ ، أي إنه لذو حفظ لما علمناه ومراقبة له .

والثاني : لذو علم لفوائد ما علمناه وحسن آثاره ، وهو إشارة إلى كونه عاملا بما علمه ، ثم قال : ( ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) وفيه وجهان :

الأول : ولكن أكثر الناس لا يعلمون مثل ما علم يعقوب .

والثاني : لا يعلمون أن يعقوب بهذه الصفة والعلم .

والمراد بأكثر الناس : المشركون ، فإنهم لا يعلمون بأن الله كيف أرشد أولياءه إلى العلوم التي تنفعهم في الدنيا والآخرة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث