الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( وينعقد ) البيع [ ص: 379 ] ( بالكناية ) مع النية إذا اقترنت بكل اللفظ أو بنظير ما يأتي في الطلاق ، كل محتمل ، والثاني ظاهر إطلاقهم .

وقد يفرق بينهما بأن هذا الباب أحوط ( كجعلته لك ) أو بعتك ولي عليك كذا كما قاله الشيخان في الخلع أو خذه أو تسلمه ولو بدون مني أو بارك الله لك فيه ولو لم يكن في جواب بعته ومن ذكر ذلك فهو مثال لا قيد ، وثامنتك وإن لم يذكروه لأنه صلى الله عليه وسلم قال لبني النجار : ثامنوني بحائطكم هذا ، فقالوا : والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله .

وأبعد الزركشي حيث بحث صراحته أو هذا لك بكذا أو عقدت معك بكذا أو سلطتك عليه أو باعك الله ، بخلاف طلقك الله أو أعتقك الله أو أبرأك حيث كان صريحا ، لأن ما بعد البيع مما يستقل به من غير مشارك له فيه فتكون إضافته إلى الله صريحة ، وأما البيع ونحوه فلا يستقل به فتكون إضافته حينئذ كناية ، وليس منها أبحتكه ولو مع ذكر الثمن كما اقتضاه إطلاقهم وإن نوزع فيه ; لأنه صريح في الإباحة مجانا لا غير ، فذكر الثمن مناقض له ، وبه يفرق بينه وبين صراحة وهبتك هنا لأن الهبة قد تكون بثواب وقد تكون مجانا فلم ينافها ذكر الثمن بخلاف الإباحة ( بكذا ) لتوقف الصحة على ما ذكره ولو مع الصريح وسكت عنه ثم للعلم به مما هنا ، ولا تكفي نيته خلافا لبعض المتأخرين وهل الكناية الصيغة وحدها أو مع ذكر العوض ؟ وهو ما صورها به المصنف في الروضة كأصلها ، [ ص: 380 ] وفيه التفات إلى أن مأخذ صراحة لفظ الخلع في الطلاق ذكر العوض أو كثرة الاستعمال ، والأول أصح فتكون صورة الكناية الصيغة وحدها ، وهذا هو الأوجه فيصح العقد بها مع ذكر العوض وإنما انعقد بها مع النية ( في الأصح ) مع احتمالها قياسا على نحو الكتابة والخلع ، وإنما اشترط ذكر الثمن لأنه يغلب على الظن إرادة البيع فلا يكون المتأخر من العاقدين قابلا ما لا يدريه ، ولا ينعقد بها بيع أو شراء وكيل لزمه إشهاد عليه بقول موكله له بع بشرط أو على أن تشهد ، بخلاف بع وأشهد كما صرح به المرعشي واقتضاه كلام غيره ما لم تتوفر القرائن المفيدة لغلبة الظن وفارق النكاح بشدة الاحتياط له والكتابة لا على مائع أو هواء كناية فينعقد بها مع النية ولو لحاضر كما رجحه السبكي وغيره ، فليقبل فورا عند علمه ، ويمتد خيارهما لانقضاء مجلس قبوله ولو باع من غائب كبعت داري لفلان وهو غائب فقبل حين بلغه الخبر صح كما لو كاتبه بل أولى ،

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

( قوله : وينعقد البيع ) عبارة حج : وينعقد البيع من غير السكران الذي لا يدري ; لأنه ليس من أهل النية على كلام يأتي فيه في الطلاق ، وسياتي في كلام الشارح أن المعتمد انعقادها انتهى .

[ ص: 379 ] وقوله : من غير السكران ضعيف ( قوله : إذا اقترنت بكل اللفظ ) جزم به شيخنا الزيادي في حاشيته ( قوله : أو بنظير ما يأتي في الطلاق ) وهو الاكتفاء بمقارنة جزء من الصيغة على الراجح ( قوله : والثاني ظاهر إطلاقهم ) في نسخة وهو الأقرب ، ونقل سم على منهج عنه أنه مال لما في هذه النسخة وجزم به حج قال : والفرق بينهما : أي البيع والطلاق فيه نظر ( قوله : بأن هذا الباب أحوط ) أي لأنه معاوضة محضة وسبب لحصول الملك المقتضي للتصرف وذلك حل لقيد النكاح فيتوسع فيه ، لكن يعارض هذا تعليلهم عدم الوقوع فيما لو شك بأن العصمة محققة فلا تزول إلا بيقين ( قوله : أو بعتك ولي عليك كذا كما قاله الشيخان في الخلع ) هذه ساقطة من بعض النسخ ، وسقوطها هو الموافق لما مر من أنه صريح على ما هو الظاهر من رجوع قوله فيما مر إن نوى به الثمن لقوله على أن تعطيني ، لكن في كلام سم على منهج ما يقتضي رجوعه له ، ولما قبله وعليه فلا يمتنع ذكرها هنا غايته أنه لا حاجة إليها مع ما مر على أنه قد يقال : إن مجرد نية الثمن لا يقتضي نية البيع بقوله بعتك سيما حيث قلنا تشترط مقارنة النية لجميع اللفظ فالمخالفة ظاهرة فليتأمل ( قوله : أو خذه ) ما لم يقل بمثله وإلا كان صريح قرض حج .

قال سم : ظاهره وإن نوى البيع به وهل مثله ملكتك هذا بمثله ، ثم قضية التقييد في كلام حج بقوله ما لم يقل خذه بمثله أنه لو قال : خذ هذا الدينار بدينار ونوى به البيع كان بيعا إن كان الدينار مثل ما بذله ( قوله : ولو بدون مني ) أي في الصورتين ( قوله : إلا إلى الله ) أي لا نأخذ له ثمنا وإنما نعطيه لك هبة ( قوله : أو هذا لك بكذا ) ومن الكناية أيضا هناك الله به فيما يظهر ( قوله : لأن مع بعد البيع ) من قوله بخلاف طلقك الله إلخ ( قوله : فتكون إضافته ) أي إلى الله ( قوله : وليس منها ) أي الكناية ( قوله : أبحتكه ) أي فهو لغو ( قوله : وبين صراحة وهبتك ) أي في البيع ( قوله : ثم للعلم به ) أي في الصريح ( قوله : ولا تكفي نيته ) أي الثمن لا في الصريح ولا في الكناية ( قوله : خلافا لبعض المتأخرين ) مراده حج ( قوله : أو مع ذكر العوض ) قضية هذا الترديد الجزم بأن المفعول من الصيغة فتكفي مقارنة النية له إن قلنا تكفي مقارنة [ ص: 380 ] الجزء ، وفيه تردد في سم على منهج فليراجع ( قوله : وفيه التفات ) أي ابتناء والأولى حذف الواو ; لأنه جواب السؤال وهو قوله : وهل الكناية الصيغة وحدها ثم رأيته كذلك في نسخة ( قوله : والأول أصح ) هو قوله : إن مأخذ الصراحة في العوض لفظ الخلع ، وعليه فلا تكفي النية عند ذكر العوض مع خلو نحو جعلته لك عن النية ، وما ذكر من أن الأول هو الأصح قد يخالفه ما تقدم من أن مأخذ الصراحة الاشتهار والتكرر على لسان حملة الشرع ( قوله : فتكون ) تفريع على قوله والأول إلخ ( قوله : فيصح ) تفريع على قوله وهذا إلخ ( قوله : مع احتمالها ) أي لغير البيع ( قوله : على نحو الكتابة ) من النحو الإجارة ، وعبارة حج : على نحو الإجارة والخلع ( قوله : والخلع ) أي وقد جزموا فيهما بالصحة مع الكناية ( قوله : اشترط ذكر الثمن ) أي مع النية ( قوله : ولا ينعقد بها ) أي بالكناية ( قوله : بخلاف بع وأشهد ) فإنه لا يلزم فيه الإشهاد وينعقد بالكناية .

قال سم على حج : لو ادعى الموكل هنا أنه أراد الاشتراط فينبغي قبوله انتهى سم على حج .

وعليه فلا يصح شراء الوكيل بالكناية ولو ادعى ذلك بعد العقد وحلف عليه تبين عدم الصحة ، فيكون هذا مستثنى من تصديق مدعي الصحة فيما لو اختلفا ( قوله : ما لو تتوفر القرائن ) أي للجنس فيصدق بالقرينة الواحدة ( قوله : لغلبة الظن ) كأن تقع مساومة بينهما ثم يتفقان على ثمن ويقصد به لفظ الكناية فيصح حينئذ بيعه وشراؤه بها كما يؤخذ ذلك من الفرق بين ما لو قال بعني فقال : بعتك حيث جرى في الصحة به القولان ، بخلاف ما لو قال زوجني فقال زوجتك حيث انعقد بلا خلاف بأن النكاح غالبا يسبقه خطبة بخلاف البيع ( قوله : وفارق النكاح ) أي حيث لم ينعقد بالكناية ( قوله : لا على مائع أو هواء ) أي أما عليهما فلغو ( قوله : ويمتد خيارهما ) ظاهره أنه لا يعتبر للكاتب مجلس معين وإن علم وقت قبول المكتوب إليه فلينظر سم على منهج وهو ظاهر ( قوله : لانقضاء مجلس قبوله ) أي المكتوب إليه



حاشية المغربي

[ ص: 379 ] ( قوله : لأنه { صلى الله عليه وسلم قال لبني النجار ثامنوني } إلخ ) قد يقال المتبادر من هذا اللفظ المساومة : أي اتفقوا معي على ثمن ، ولهذا لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم بكذا الذي لا بد من ذكره في الصيغة فعلم أنه لم يرد به الإيجاب فتأمل ( قوله وهو ما صورها به المصنف في الروضة ) أي وهنا [ ص: 380 ] قوله : بقول موكله له بع ) أي أو اشتر ( قوله : ما لم تتوفر القرائن ) استثناء من قوله ولا ينعقد بها بيع أو شراء وكيل إلخ : أي ما لم تتوفر القرائن على نيته البيع كأن حصل بينه وبين عاقده مساومة واطلع عليها الشهود ثم عقدا على ذلك بالكناية ( قوله وهو غائب ) مكرر بل موهم



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث