الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                                                                                                                              سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

                                                                                                                                                                                                                              الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              الباب الثاني فيما اختص به عن الأنبياء -صلى الله عليه وسلم- عليهم في شرعه وأمته وفيه مسائل

                                                                                                                                                                                                                              الأولى : اختص -صلى الله عليه وسلم- بإحلال الغنائم .

                                                                                                                                                                                                                              الثانية : وبجعل الأرض كلها مسجدا ولم تكن الأمم تصلي إلا في البيع والكنائس .

                                                                                                                                                                                                                              الثالثة : وبالتراب طهورا وهو التيمم .

                                                                                                                                                                                                                              روى الشيخان عن جابر -رضي الله عنه- قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل ، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد بعدي" الحديث .

                                                                                                                                                                                                                              وروى مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : "فضلت على الناس بست : أعطيت جوامع الكلم ، ونصرت بالرعب ، وأحلت لي الغنائم ، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا" .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الطبراني عن أبي الدرداء أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : "فضلت أنا وأمتي في الصلاة تصف كما تصف الملائكة ، وجعل الصعيد لي وضوءا ، وجعلت لي الأرض مسجدا ، وأحلت لي الغنائم" .

                                                                                                                                                                                                                              وروى البخاري في "التاريخ" والبزار والبيهقي وأبو نعيم عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : "كان الأنبياء يقربون الخمس ، فتجيء النار فتأكله وأمرت أنا أن أقسمه في فقراء أمتي" .

                                                                                                                                                                                                                              قال الخطابي : كان من تقدم على ضربين : من لم يؤذن له في الجهاد ، فلم تكن له غنائم ، ومنهم من أذن له فيها ، لكن كانوا إذا غنموا أشياء لم تحل لهم أن يأكلوه وجاءت نار فأحرقته كما في الصحيح عن أبي هريرة : "غزا نبي من الأنبياء" فذكر القصة إلى أن قال : فجمع الغنائم فجاءت- يعني النار- فلم تطعمها . وعند أحمد ومسلم "فجمعوا ما غنموا فأقبلت النار . زاد في رواية سعيد بن المسيب -رضي الله عنه- فكانوا إذا غنموا غنيمة بعث الله النار فأكلتها فذكر القصة ، وقد تقدمت بكمالها في أواخر شرح قصة المعراج ، وفي المعجزات في رد الشمس وفيها : "أحل الله لنا الغنائم ، رأى ضعفنا وعجزنا ، فأحلها لنا انتهى فكان من قبلنا يغزون ويأخذون أموال أعدائهم وأسلابهم لكن لا يتصرفون فيها بل يجمعونها وعلامة قبول ذلك أن تنزل النار فتأكلها ، وعلامة عدم القبول أن لا تنزل . [ ص: 344 ]

                                                                                                                                                                                                                              قوله : "مسجدا" يعني موضع سجوده ، وهو وضع الجبهة على الأرض ، لا يختص السجود منها بموضع دون غيره ، ويحتمل أن يكون مجازا عن المكان المبني للصلاة ، وهو من مجاز القرآن ، لأنه لما جازت الصلاة في جميعها كانت كالمسجد ، قال الخطابي والقاضي : من كان قبل نبينا -صلى الله عليه وسلم- من الأنبياء إنما أبيحت لهم الصلاة في أماكن مخصوصة كالبيع والصوامع ، ويؤيده رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند أحمد ، بلفظ : "وكان مما قبلي إنما كانوا يصلون في كنائسهم" وهذا نص في موضع النزاع ، فثبتت الخصوصية ، ويؤيده ما أخرجه البزار من حديث ابن عباس -رضي الله عنه- نحو حديث جابر وفيه : "ولم يكن أحد من الأنبياء يصلي حتى يبلغ محرابه" .

                                                                                                                                                                                                                              الرابعة : وبالوضوء في أحد القولين ، وهو الأصح ، فلم يكن إلا للأنبياء دون أممهم ، وبه جزم الحليمي -رحمه الله تعالى- ، واستدل له بحديث الصحيحين "إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء" ورد بأن الذي اختصت به الغرة والتحجيل لا أصل الوضوء ، كيف ، وفي الحديث : "هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي" .

                                                                                                                                                                                                                              قال الحافظ : والجواب إن هذا الحديث ضعيف ، وعلى تقدير ثبوته يحتمل أن يكون الوضوء من خصائص الأنبياء دون أممهم إلا هذه الأمة .

                                                                                                                                                                                                                              قال الشيخ : هذا الاحتمال قد ورد ما يؤيده فقد تقدم في باب ذكره في التوراة والإنجيل في صفة أمته -صلى الله عليه وسلم- يوضئون أطرافهم رواه أبو نعيم عن ابن مسعود مرفوعا والدارمي عن كعب الأحبار والبيهقي عن وهب : "افترضت عليهم أن يتطهروا في كل صلاة ، كما افترضت على الأنبياء" .

                                                                                                                                                                                                                              ثم رأيت الطبراني روى في الأوسط بسند فيه ابن لهيعة عن بريدة قال : دعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بوضوء فتوضأ واحدة واحدة ، ثم قال : "هذا وضوء لا يقبل الله تعالى الصلاة إلا به" ثم توضأ مرتين مرتين فقال : "هذا وضوء الأمم قبلكم" ، ثم توضأ ثلاثا ثلاثا ، فقال : هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي" .

                                                                                                                                                                                                                              وفي هذا تصريح بكون الوضوء للأمم السابقة ، نعم فيه خصوصية لنا عنهم وهو التثليث كما كان للأنبياء ، ويرشد إلى ذلك قول ابن سراقة : خصوا بكمال الوضوء .

                                                                                                                                                                                                                              قلت : الصحيح بخلاف ما صححه الشيخ في الصغرى ، وخلاف احتمال الحافظ ، ففي البخاري في قصة سارة مع الملك الذي أعطاها هاجر ، أن سارة لما هم الملك بأن يدنو منها ، قامت تتوضأ ، وفي قصة جريج فيه أيضا أنه قام فتوضأ ثم كلم الغلام .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الإمام أحمد من طريق زيد العمي عن ابن عمر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : "من [ ص: 345 ]

                                                                                                                                                                                                                              توضأ واحدة فتلك وظيفة الوضوء الذي لا بد منها ، ومن توضأ مرتين فله كفلان من الأجر ، ومن توضأ ثلاثا فذاك وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي"
                                                                                                                                                                                                                              .

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن ماجه والدارقطني عن أبي بن كعب نحوه .

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية