الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ذكر غزوة هوازن بحنين

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ذكر غزوة هوازن بحنين

وكانت في شوال ، وسببها أنه لما سمعت هوازن بما فتح الله على رسوله من مكة جمعها مالك بن عوف النصري من بني نصر بن معاوية بن بكر ، وكانوا مشفقين من أن يغزوهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد فتح مكة ، وقالوا : لا مانع له من غزونا ، والرأي أن نغزوه [ ص: 133 ] قبل أن يغزونا . واجتمع إليه ثقيف يقودها قارب بن الأسود بن مسعود سيد الأحلاف ، وذو الخمار سبيع بن الحارث ، وأخوه الأحمر بن الحارث سيد بني مالك ، ولم يحضرها من قيس عيلان إلا نصر وجشم وسعد بن بكر ، وناس من بني هلال ، ولم يحضرها كعب ولا كلاب ، وفي جشم دريد بن الصمة ، شيخ كبير ليس فيه شيء إلا التيمن برأيه ، وكان شيخا مجربا

فلما أجمع مالك بن عوف المسير إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حط مع الناس أموالهم ونساءهم ، فلما نزلوا أوطاس جمع الناس ، وفيهم دريد بن الصمة ، فقال دريد : بأي واد أنتم ؟ فقالوا : بأوطاس . قال : نعم مجال الخيل ، لا حزن شرس ، ولا سهل دهس ، ما لي أسمع رغاء البعير ، ونهاق الحمير ، ويعار الشاء ، وبكاء الصغير ؟ قالوا : ساق مالك مع الناس ذلك . فقال : يا مالك ، إن هذا يوم له ما بعده ، ما حملك على ما صنعت ؟ قال : سقتهم مع الناس ليقاتل كل إنسان عن حريمه وماله . قال دريد : راعي ضأن والله ، هل يرد المنهزم شيء ؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه ، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك . وقال : ما فعلت كعب وكلاب ؟ قالوا : لم يشهدها أحد منهم . قال : غاب الجد والحد ، لو كان يوم علاء ورفعة لم تغب عنه كعب ولا كلاب ، ووددت أنكم فعلتم ما فعلا . ثم قال : يا مالك ، ارفع من معك إلى عليا بلادهم ، ثم ألق الصباء على الخيل ، فإن كانت لك لحق بك من وراءك ، وإن كانت عليك كنت قد أحرزت أهلك ومالك . قال مالك : والله لا أفعل ذلك ، إنك قد كبرت وكبر علمك ، والله لتطيعنني يا معشر هوازن ، أو لأتكين على هذا السيف حتى يخرج من ظهري . وكره أن يكون لدريد فيها ذكر . فقال دريد : هذا يوم لم أشهده ، ولم يفتني .

ثم قال مالك : أيها الناس ، إذا رأيتم القوم فاكسروا جفون سيوفكم ، وشدوا عليهم شدة رجل واحد .

وبعث مالك عيونه ليأتوه بالخبر ، فرجعوا إليه وقد تفرقت أوصالهم ، فقال : ما [ ص: 134 ] شأنكم ؟ قالوا : رأينا رجالا بيضا على خيل بلق ، فوالله ما تماسكنا أن حل بنا ما ترى ! فلم ينهه ذلك عن وجهه أن مضى على ما يريد .

ولما بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خبر هوازن أجمع المسير إليهم ، وبلغه أن عند صفوان بن أمية أدراعا وسلاحا ، فأرسل إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يومئذ مشرك : أعرنا سلاحك نلق فيه عدونا . فقال له صفوان : أغصبا يا محمد ؟ فقال : بل عارية مضمونة نؤديها إليك . قال : ليس بهذا بأس ، فأعطاه مائة درع بما يصلحها من السلاح . ثم سار النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعه ألفان من مسلمة الفتح مع عشرة آلاف من أصحابه ، فكانوا اثني عشر ألفا ، فلما رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كثرة من معه قال : لن نغلب اليوم من قلة ، وذلك قوله تعالى : ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا ، وقيل : إنما قالها رجل من بكر .

واستعمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على من بمكة عتاب بن أسيد .

قال جابر : فلما استقبلنا وادي حنين انحدرنا في واد أجوف حطوط ، إنما ننحدر فيه انحدارا في عماية الصبح ، وكان القوم قد سبقونا إلى الوادي ، فكمنوا لنا في شعابه ومضايقه ، قد تهيئوا وأعدوا ، فوالله ما راعنا ونحن منحطون إلا الكتائب قد شدت علينا شدة رجل واحد ، فانهزم الناس أجمعون لا يلوي أحد على أحد ، وانحاز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات اليمين ، ثم قال : أيها الناس ، هلموا إلي أنا رسول الله ، أنا محمد بن عبد الله ، قاله ثلاثا ، ثم احتملت الإبل بعضها بعضا ، إلا أنه قد بقي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - نفر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته ، منهم : أبو بكر ، وعمر ، وعلي ، والعباس ، وابنه الفضل ، وأبو سفيان بن الحارث ، وربيعة بن الحارث ، وأيمن ابن أم أيمن ، وأسامة بن زيد .

قال : وكان رجل من هوازن على جمل أحمر بيده راية سوداء أمام الناس ، فإذا أدرك رجلا طعنه ثم رفع رايته لمن وراءه فاتبعوه ، فحمل عليه علي فقتله .

ولما انهزم الناس تكلم رجال من أهل مكة بما في أنفسهم من الضغن ، فقال أبو سفيان بن حرب : لا تنتهي هزيمتهم دون البحر ، والأزلام معه . وقال كلدة بن الحنبل ، وهو أخو صفوان بن أمية لأمه ، وكان صفوان بن أمية يومئذ مشركا : الآن بطل السحر . [ ص: 135 ] فقال له صفوان : اسكت فض الله فاك ، فوالله لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن !

وقال شيبة بن عثمان : اليوم أدرك ثأري من محمد ، وكان أبوه قتل بأحد ، قال : فأدرت به لأقتله ، فأقبل شيء حتى تغش فؤادي ، فلم أطق ذلك .

وكان العباس مع النبي - صلى الله عليه وسلم - آخذا بحكمة بغلته دلدل وهو عليها ، وكان العباس جسيما شديد الصوت ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم : يا عباس ، اصرخ : يا معشر الأنصار ، يا أصحاب السمرة ! ففعل ، فأجابوه : لبيك لبيك ! فكان الرجل يريد أن يثني بعيره فلا يقدر ، فيأخذ سلاحه ثم ينزل عنه ويؤم الصوت ، فاجتمع على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مائة رجل فاستقبل بهم القوم وقاتلهم ، فلما رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - شدة القتال قال :


أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب



الآن حمي الوطيس ، وهو أول من قالها . واقتتل الناس قتالا شديدا ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لبغلته دلدل : البدي دلدل ، فوضعت بطنها على الأرض ، فأخذ حفنة من تراب ، فرمى به في وجوههم ، فكانت الهزيمة ، فما رجع الناس إلا والأسارى في الحبال عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

وقيل : بل أقبل شيء أسود من السماء مثل البجاد حتى سقط بين القوم ، فإذا نمل أسود مبثوث ، فكانت الهزيمة .

ولما انهزمت هوازن قتل من ثقيف وبني مالك سبعون رجلا ، فأما الأخلاف من ثقيف فلم يقتل منهم غير رجلين ؛ لأنهم انهزموا سريعا . وقصد بعض المشركين الطائف ومعهم مالك بن عوف ، واتبعت خيل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المشركين فقتلهم ، فأدرك ربيعة بن يربوع السلمي دريد بن الصمة ولم يعرفه ؛ لأنه كان في شجار لكبره ، وأناخ بعيره [ ص: 136 ] فإذا هو شيخ كبير ، فقال له دريد : ماذا تريد ؟ قال : أقتلك . قال : ومن أنت ؟ فانتسب له ، ثم ضربه بسيفه فلم يغن شيئا . فقال دريد : بئس ما سلحتك أمك ، خذ سيفي فاضرب به ، ثم ارفع عن العظام واخفض عن الدماغ ، فإني كذلك كنت أقتل الرجال ، وإذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصمة ، فرب يوم قد منعت فيه نساءك . فقتله . فلما أخبر أمه قالت : والله لقد أعتق أمهات لك ثلاثا . واستلب أبو طلحة الأنصاري يوم حنين عشرين رجلا وحده ، وقتلهم . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : من قتل قتيلا فله سلبه .

وقتل أبو قتادة الأنصاري قتيلا ، وأجهضه القتال عن أخذ سلبه ، فأخذه غيره ، فلما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك قام أبو قتادة فقال : قتلت قتيلا وأخذ غيري سلبه . فقال الذي أخذ السلب : هو عندي فارضه مني يا رسول الله . فقال أبو بكر : لا والله ، لا تعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله تقاسمه ، فرد عليه السلب .

وكان لبعض ثقيف غلام نصراني ، فقتل ، فبينما رجل من الأنصار يستلب قتلى ثقيف إذ كشف العبد فرآه أغرل ، فصرخ بأعلى صوته : يا معشر العرب ، إن ثقيفا لا تختتن . فقال له المغيرة بن شعبة : لا تقل هذا ، إنما هو غلام نصراني ، وأراه قتلى ثقيف مختتنين .

ومر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الطريق بامرأة مقتولة ، فقال : من قتلها ؟ قالوا : خالد بن الوليد . فقال لبعض من معه : أدرك خالدا فقل له : إن رسول الله ينهاك أن تقتل امرأة أو وليدا أو عسيفا . والعسيف الأجير .

وكان بعض المشركين بأوطاس فأرسل إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا عامر الأشعري ، عم أبي موسى ، فرمي أبو عامر بسهم ، قيل رماه سلمة بن دريد بن الصمة ، وقتل أبو موسى سلمة هذا بعمه أبي عامر ، وانهزم المشركون بأوطاس ، وظفر المسلمون بالغنائم [ ص: 137 ] والسبايا ، فساقوا في السبي الشيماء ابنة الحارث بن عبد العزى ، فقالت لهم : إني والله أخت صاحبكم من الرضاعة ، فلم يصدقوها حتى أتوا بها النبي - صلى الله عليه وسلم - . فقالت له : إني أختك . قال : وما علامة ذلك ؟ قالت : عضة عضضتنيها في ظهري وأنا متوركتك . فعرفها وبسط لها رداءه وأجلسها عليه ، وخيرها فقال : إن أحببت فعندي مكرمة محببة ، وإن أحببت أن أمتعك وترجعي إلى قومك . قالت : بل تمتعني وتردني إلى قومي ، ففعل .

وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالسبايا والأموال ، فجمعت إلى الجعرانة ، وجعل عليها بديل بن ورقاء الخزاعي .

واستشهد من المسلمين بحنين أيمن ابن أم أيمن ، ويزيد بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن عبد العزى ، وغيرهما .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث