الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بيان مجاري الفكر

بيان مجاري الفكر

اعلم أن أنواع مجاري الفكر أربعة : الطاعات والمعاصي والصفات المهلكات والصفات المنجيات .

فأما المعاصي : فينبغي أن يفتش الإنسان صبيحة كل يوم جميع أعضائه السبعة ، ثم بدنه هل هو في الحال ملابس لمعصية بها فيتركها ، أو لابسها بالأمس فيتداركها بالترك والندم ، أو هو متعرض لها في نهاره فيستعد للاحتراز والتباعد عنها ، فينظر في اللسان ويقول : إنه متعرض للغيبة والكذب وتزكية النفس والاستهزاء بالغير والمماراة والممازحة والخوض فيما لا يعني إلى غير ذلك من المكاره ، فيقرر أولا في نفسه أنها مكروهة عند الله تعالى ، ويتفكر في شواهد القرآن والسنة على شدة العذاب فيها فيتحرز منها . ويتفكر في سمعه أن يصغي به إلى الغيبة والكذب وفضول الكلام وإلى اللهو ، وأنه ينبغي أن يحترز عنه . ويتفكر في بطنه أنه إنما يعصي الله تعالى فيه بالأكل والشرب : إما بكثرة الأكل من الحلال وذلك مكروه عند الله ، وإما بأكل الحرام والشبهة ، فيتفكر في الاحتراز عن مداخله ، ويتفكر في طريق الحلال وموارده ، ويقرر على [ ص: 311 ] نفسه أن العبادات كلها ضائعة مع أكل الحرام ، وأن كل الحلال هو أساس العبادات كلها .

فهكذا يتفكر في أعضائه حتى يحفظها .

وأما الطاعات : فينظر أولا في الفرائض المكتوبة عليه أنه كيف يؤديها وكيف يحرسها عن النقصان والتقصير ، أو كيف يجبر نقصانها بالنوافل .

ثم يرجع إلى عضو عضو فيتفكر في الأفعال التي تتعلق به مما يحبه الله تعالى فيقول : إن العين خلقت للنظر في ملكوت السماوات والأرض عبرة ، ولتستعمل في طاعة الله تعالى ، وتنظر في كتاب الله وسنة رسوله ، وأنا قادر على أن أشغل العين بمطالعة القرآن والسنة فلم لا أفعله ؟ وأنا قادر على أن أنظر إلى فلان المطيع بعين التعظيم فأدخل السرور على قلبه فلم لا أفعله ؟ وكذلك يقول في سمعه : إني قادر على استماع كلام ملهوف أو استماع حكمة وعلم فما لي أعطله ؟ وقد أنعم الله علي به وأودعنيه لأشكره فما لي أكفر نعمة الله فيه بتضييعه وتعطيله ؟ وكذلك يتفكر في اللسان ويقول : إني قادر على أن أتقرب إلى الله تعالى بالتعليم والوعظ والتودد إلى قلوب أهل الصلاح ، وبالسؤال عن أحوال الفقراء وإدخال السرور على قلب زيد الصالح وعمرو العالم بكلمة طيبة ، وكل كلمة طيبة فإنها صدقة . وكذلك يتفكر في ماله فيقول : أنا قادر على أن أتصدق بالمال الفلاني فإني مستغن عنه ، ومهما احتجت إليه رزقني الله تعالى مثله ، وإن كنت محتاجا الآن فأنا إلى ثواب الإيثار أحوج مني إلى ذلك المال . وهكذا يفتش عن جميع أعضائه وجملة بدنه وأمواله ، بل عن دوابه وأولاده ، فإن كل ذلك أدواته وأسبابه ، ويقدر على أن يطيع الله تعالى بها فيستنبط بدقيق الفكر وجوه الطاعات الممكنة بها ، ويتفكر فيما يرغبه في البدار إلى تلك الطاعات ، ويتفكر في إخلاص النية فيها ، وقس على هذا سائر الطاعات .

وأما الصفات المهلكة التي محلها القلب : فيعرفها مما تقدم ، وهي استيلاء الشهوة والغضب والبخل والكبر والعجب والرياء والحسد وسوء الظن والغفلة والغرور وغير ذلك ، ويتفقد من قلبه هذه الصفات ، ويتفكر في طريق العلاج لها مما سلف ذكره .

وأما المنجيات : فهي التوبة والندم على الذنوب ، والصبر على البلاء ، والشكر على النعماء ، والخوف والرجاء ، والزهد في الدنيا ، والإخلاص والصدق في الطاعات ، ومحبة الله وتعظيمه ، والرضا بأفعاله ، والشوق إليه ، والخشوع والتواضع له مما تقدم ذكره . فيتفكر كل يوم في قلبه : ما الذي يعوزه من هذه الصفات التي هي المقربة إلى الله تعالى ، فإذا افتقر إلى شيء منها فليعلم أنها أحوال لا يثمرها إلا علوم ، وأن العلوم لا يثمرها إلا أفكار ؛ فإذا أراد أن يكتسب لنفسه أحوال التوبة والندم فليفتش ذنوبه أولا ، وليتفكر فيها وليجمعها على نفسه وليعظمها في قلبه ، ثم لينظر في الوعيد والتشديد الذي ورد في الشرع فيها ، وليحقق عند نفسه أنه متعرض لمقت الله تعالى حتى ينبعث له حال الندم . وإذا أراد أن يستثير من قلبه حال الشكر فلينظر في إحسان الله وأياديه عليه ، وفي إرساله جميل ستره عليه ، وإذا أراد حال المحبة والشوق فليتفكر [ ص: 312 ] في جلال الله وجماله وعظمته وكبريائه ، وذلك بالنظر في عجائب حكمته وبدائع صنعه ، وإذا أراد حال الخوف فلينظر أولا في ذنوبه الظاهرة والباطنة ، ثم لينظر في الموت وسكراته ، ثم فيما بعده من سؤال القبر وحياته وعقاربه وديدانه ، ثم في هول النداء عند نفخة الصور [ الزمر : 68 ] ثم في هول المحشر عند جميع الخلائق على صعيد واحد ، ثم في المناقشة في الحساب والمضايقة في النقير والقطمير ، ثم ليحضر في قلبه صورة جهنم وأهوالها وسلاسلها وأغلالها [ يس : 8 والإنسان : 4 ] وزقومها [ الواقعة : 52 ] وصديدها وأنواع العذاب فيها ، وأنهم كلما نضجت جلودهم بدلوا جلودا غيرها [ النساء : 56 ] وأنهم إذا رأوها من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا [ الفرقان : 12 ] ، وهلم جرا إلى جميع ما ورد في القرآن من شرحها . وإذا أراد أن يستجلب حال الرجاء فلينظر إلى الجنة ونعيمها وأشجارها وحورها وولدانها [ الواقعة : 17 ] ونعيمها المقيم وملكها الدائم . فهكذا طريق الفكر الذي يطلب به العلوم التي تثمر اجتلاب أحوال محبوبة أو التنزه عن صفات مذمومة .

وأما ذكر مجامع تلك الأحوال فلا يوجد فيه أنفع من قراءة القرآن بالتفكر ، فإن القرآن جامع لجميع المقامات والأحوال ، وفيه شفاء للعالمين ، فيه ما يورث الخوف والرجاء والصبر والشكر والمحبة والشوق وسائر الأحوال ، وفيه ما يزجر عن سائر الصفات المذمومة ، فينبغي أن يقرأه العبد ويردد الآية التي هو محتاج إلى التفكر فيها مرة بعد أخرى ولو مائة مرة ، فقراءة آية بتفكر وفهم خير من ختمة بغير تدبر وفهم ، فليتوقف في التأمل فيها ولو ليلة واحدة ، فإن تحت كل كلمة منها أسرارا لا تنحصر ولا يوقف عليها إلا بدقيق الفكر عن صفاء القلب بعد صدق المعاملة .

وكذلك مطالعة أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه قد أوتي جوامع الكلم ، وكل كلمة من كلماته بحر من بحور الحكمة ، ولو تأملها العالم حق التأمل لم ينقطع فيها نظره طول عمره .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث