الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

من آداب الصوم أن يكون قلبه بعد الإفطار معلقا بالله

السادس : أن يكون قلبه بعد الإفطار معلقا مضطربا بين الخوف والرجاء إذ ليس يدري أيقبل صومه فهو من المقربين أو يرد عليه فهو من الممقوتين وليكن كذلك في آخر كل عبادة يفرغ منها فقد روي عن الحسن بن أبي الحسن البصري أنه مر بقوم وهم يضحكون فقال : إن الله عز وجل جعل شهر رمضان مضمارا لخلقه يستبقون فيه لطاعته فسبق قوم ففازوا وتخلف أقوام فخابوا فالعجب كل العجب للضاحك اللاعب في اليوم الذي فاز فيه السابقون وخاب فيه المبطلون .

أما والله لو كشف الغطاء لاشتغل المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته أي كان : سرور المقبول يشغله عن اللعب وحسرة المردود تسد عليه باب الضحك وعن الأحنف بن قيس أنه قيل له : إنك شيخ كبير وإن الصيام يضعفك فقال : إني أعده لسفر طويل والصبر على طاعة الله سبحانه أهون من الصبر على عذابه فهذه هي المعاني الباطنة في الصوم .

فإن قلت فمن : اقتصر على كف شهوة البطن والفرج وترك هذه المعاني فقد قال الفقهاء صومه صحيح فما معناه فاعلم أن فقهاء الظاهر يثبتون شروط الظاهر بأدلة هي أضعف من هذه الأدلة التي أوردناها في هذه الشروط الباطنة لا سيما الغيبة وأمثالها ولكن ليس إلى فقهاء الظاهر من التكليفات إلا ما يتيسر على عموم الغافلين المقبلين على الدنيا الدخول تحته .

فأما علماء الآخرة فيعنون بالصحة القبول وبالقبول الوصول إلى المقصود ويفهمون أن المقصود من الصوم التخلق بخلق من أخلاق الله عز وجل وهو الصمدية والاقتداء بالملائكة في الكف عن الشهوات بحسب الإمكان فإنهم منزهون عن الشهوات .

والإنسان رتبته فوق رتبة البهائم لقدرته بنور العقل على كسر شهوته ودون رتبة الملائكة لاستيلاء الشهوات عليه وكونه مبتلى بمجاهدتها فكلما انهمك في الشهوات انحط إلى أسفل السافلين والتحق بغمار البهائم وكلما قمع الشهوات ارتفع إلى أعلى عليين والتحق بأفق الملائكة .

والملائكة مقربون من الله عز وجل والذي يقتدي بهم ويتشبه بأخلاقهم يقرب من الله عز وجل كقربهم فإن الشبيه من القريب قريب وليس القرب ثم بالمكان بل بالصفات .

التالي السابق


(السادس : أن يكون قلبه بعد الإفطار) من صومه (معلقا) بالله (مضطربا بين الخوف) من عدم قبوله (والرجاء) في قبوله (إذ ليس يدري أيقبل صومه) عند الله (فهو) إذا (من المقربين) في حضرته (أو يرد عليه) لما عسى أن داخله بعض ما نهي عنه (فهو من الممقوتين) المبغوضين (و) ليس هذا خاصا في الصوم بل (ليكن كذلك في آخر كل عبادة) حين (يفرغ منها فقد روي عن الحسن) بن يسار (البصري) رحمه الله (أنه مر يوم العيد بقوم وهم يضحكون) ويلعبون (فقال : إن الله عز وجل جعل شهر رمضان مضمارا) هو الميدان الذي تمتحن فيه السباق من الخيل من اللاحقين (لخلقه) أي : جعله كالمضمار لهم (يستبقون فيه لطاعته فسبق أقوام ففازوا وتخلف أقوام فخافوا فالعجب كل العجب للضاحك اللاعب في اليوم الذي فاز فيه المسارعون وخاب فيه المبطلون) هكذا في النسخ ولو كان المبطئون فهو أنسب (أما والله لو كشف الغطاء) عن الحقائق (لاشتغل المحسن بإحسانه واشتغل المسيء بإساءته) وهذا قد أورده صاحب القوت وصاحب الحلية (أي : سرور المقبول يشغله عن اللعب) إذ المقبول لو علم أنه مقبول فسروره لذلك يمنعه عن الضحك واللعب (وحسرة المردود تسد عنه باب الضحك) أي : لو علم أنه قد رد عمله هذا فيتحسر على ذلك فلا يليق الانبساط .

(وعن الأحنف بن قيس ) تقدمت ترجمته في آخر سر الطهارة (أنه قيل له : إنك شيخ كبير وإن الصيام يضعفك) أي : يورثك ضعف القوة (فقال : إني أعده لسفر طويل) أي : أهيئه زادا لسفر الآخرة (والصبر على طاعته أهون من الصبر على عذابه فهذه) وأمثالها (هي المعاني الباطنة في الصوم) كالمعاني الباطنة في الصلاة التي ذكرت .

(فإن قلت : فإن اقتصر) في صومه (على كف شهوة البطن والفرج) فقط (وترك هذه المعاني) التي ذكرت (وقد قال الفقهاء) أنه (صومه صحيح) وأفتوا بذلك (فما معناه) وما سره ؟ (فاعلم أن فقهاء الظاهر مثبتون شروط الظاهر بأدلة هي أضعف من هذه الأدلة التي أوردناها في هذه الشروط الباطنة لا سيما الغيبة وأمثالها) كالكذب والنميمة والمراء الباطل (ولكن ليس إلى فقهاء الظاهر من التكليف إلا ما تيسر) أي : سهل (على عموم الغافلين) أي : عامتهم (المقبلين على الدنيا) المنهمكين على شهواتها (الدخول تحته) أي : التكليف والدخول بالرفع على أنه فاعل تيسر (فأما حكماء الآخرة) المقبلون عليها (فيعنون بالصحة) في العمل (القبول وبالقبول الوصول إلى المقصود) الذي هو القرب من الله تعالى (ويفهمون أن المقصود من الصوم التخلق بخلق من أخلاق الله تعالى وهو الصمدية ) أي : التحلي بمعنى من معاني أسمائه تعالى فيه كمال العبد وحظوظ المقربين من هذا المعنى ثلاثة :

الأول : معرفة على سبيل المكاشفة والمشاهدة حتى تتضح لهم الحقيقة بالبرهان الذي لا يجوز فيه الخطأ وينكشف لهم اتصاف الله تعالى بصفة الصمدية انكشافا يجري في الوضوح والبيان مجرى اليقين .

(و) الثاني : (الاقتداء بالملائكة) الكرام المقربين [ ص: 251 ] عند الله باستعظام ما ينكشف لهم من صفات الجلال على وجه ينبعث منه الشوق إلى الاتصاف (بالكف عن الشهوات بحسب الإمكان) والطاقة (فإنهم منزهون عن الشهوات) فإن لم يمكن كماله فينبعث الشوق إلى القدر الممكن منه لا محالة ولا يخلو عن الشوق إلا لأحد أمرين : إما لضعف المعرفة واليقين بكون الوصف المعلوم من أوصاف الجلال والكمال ، وإما لكون القلب ممتلئا بشوق آخر مستغرقا به والتلميذ إذا شاهد كمال أستاذه في العلم انبعث شوقه إلى التشبه والاقتداء به إلا إذا كان ممنوعا بالجوع مثلا فإن الاستغراق بشوق القوت ربما يمنع انبعاث شوق العلم ولهذا ينبغي أن يكون الناظر في صفات الله تعالى خاليا بقلبه عن إرادة ما سوى الله تعالى فإن المعرفة بذر الشوق ولكن مهما صادف قلبا خاليا عن حسيكة الشهوات فإن لم يكن خاليا لم يكن منيرا منجحا .

والثالث : السعي في اكتساب الممكن من تلك الصفة والتخلق والتحلي بمحاسنها وبه يصير العبد ربانيا رفيقا للملأ الأعلى من الملائكة وطلب القرب من الله بالصفة أمر غامض تكاد تشمئز القلوب من قبوله والتصديق به فاعلم أن الموجودات منقسمة إلى كاملة وناقصة فالكامل أشرف من الناقص ومهما تفاوتت درجات الكمال واقتصر منتهى الكمال على واحد لم يكن الكمال المطلق إلا له ولم يكن للوجودات الأخرى كمال مطلق بل كانت لها كمالات متفاوتة بإضافة فأكملها أقرب لا محالة إلى الذي له الكمال المطلق بالمرتبة والدرجة ثم الموجودات منقسمة إلى حية وميتة وتعلم أن الحي أشرف وأكمل من الميت وأن درجات الأحياء ثلاث درجات : درجة الملائكة ودرجة الإنس ودرجة البهائم (وللإنسان رتبة فوق رتبة البهائم لقدرته بنور العقل على كسر شهوته ورتبة دون مرتبة الملائكة لاستيلاء الشهوات عليه وكونه مبتلى بمجاهدتها ) إذ درجته متوسطة بين الدرجتين فكأنه مركب من بهيمية وملكية والأغلب في بداية أمره البهيمية إذ ليس له أولا من الإدراك إلا الحواس التي يحتاج في الإدراك بها إلى طلب القرب من المحسوس بالسعي والحركة إلى أن يشرق عليه بالآخرة نور العقل المتصرف في ملكوت السموات والأرض من غير حاجة إلى حركة وطلب قرب أو مماسته مع المدرك له بل مدركه الأمور المقدسة عن قبول القرب والبعد بالمكان وكذلك المستولي عليه أولا شهوته وغضبه وبحسب مقتضاهما انبعاثه إلى أن يظهر فيه الرغبة في طلب الكمال والنظر للعاقبة وعصيان مقتضى الشهوة والغضب .

(فكلما انهمك في الشهوات انحط إلى أسفل سافلين والتحق بغمار البهائم) ودرجة البهائم أسفل في نفس الحياة التي بها شرفها وفي إدراكها نقص أما إدراكها فنقصانه أنه مقصور على الحواس وإدراك الحس قاصر لأنه لا يدرك الأشياء إلا بمماسة أو بقرب منها فالحس معزول عن الإدراك إن لم يكن مماسة ولا قرب وأما فعال فهو أنه مقصور على مقتضى الشهوة والغضب لا باعث لها سواهما وليس لها عقل يدعو إلى أفعال مخالفة بمقتضى الشهوة والغضب .

(وكلما قمع الشهوات ارتفع إلى أعلى عليين والتحق بأفق الملائكة) وإنما كانت درجة الملائكة أعلى لأنها عبارة عن موجود لا يؤثر القرب والبعد في إدراكه بل لا يقتصر على ما يتصور فيه القرب والبعد إذ القرب والبعد يتصور على الأجسام والأجسام أخس أقسام الموجودات (والملائكة مقربون من الله تعالى) ومقدسون عن الشهوة والغضب فليست أفعالهم بمقتضى الشهوات بل داعون إلى طلب القرب من الله تعالى (والذي يقتدي بهم ويتشبه بأخلاقهم يقرب من الله كقربهم) أي : من يضرب إلى شبه من صفاتهم ينل شيئا من قربهم بقدر ما نال من أوصافهم المقربة لهم إلى الحق تعالى وبيان ذلك أنه إن غلب الشهوة والغضب حتى ملكهما وضعفا من تحريكه وتسكينه أخذ بذلك شبها من الملائكة وكذا إن عظم نفسه من الجمود والخيالات والمحسوسات وأنس بالإدراك عن أمور تجل من أن ينالها حس أو خيال أخذ شبها آخر من الملائكة فإن خاصية الحياة الإدراك والفعل وإليهما يتطرق النقصان والتوسط والكمال ومهما اقتدى بهم في هاتين الخاصتين كان أبعد من البهيمية وأقرب من الملكية (فإن الشبيه بالقريب قريب) وإن شئت قلت : الملك قريب من الله تعالى والقريب من القريب قريب [ ص: 252 ] (وليس القرب ثم بالمكان بل بالصفات) والمراتب والدرج ، فإن قلت : فظاهر هذا الكلام يشير إلى مشابهة بين العبد وبين الله تعالى لأنه إذا تخلق بأخلاقه كان شبها له ومعلوم شرعا وعقلا أن الله ليس كمثله شيء وأنه لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء فأقول : مهما عرفت معنى المماثلة المنفية عن الله تعالى عرفت أنه لا مثل له ولا ينبغي أن يظن أن المشاركة بكل وصف توجب المماثلة أترى أن الضدين يتماثلان وبينهما غاية البعد الذي لا يتصور أن يكون بعد فوقه وهما متشاركان في أوصاف كثيرة إذ السواد يشارك البياض في كونه عرضا وفي كونه لونا مدركا بالبصر وأمورا أخر سواه أفترى من قال : إن الله تعالى موجود لا في محل وأنه سميع بصير عالم مريد متكلم حي قادر فاعل وللإنسان أيضا كذلك فقد شبه قائل هذا إذا وأثبت المثل هيهات ليس الأمر كذلك ولو كان الأمر كذلك لكان الخلق كلهم مشبهة إذ لا أقل من إثبات المشاركة في الوجود وهو موهم للمشابهة بل المماثلة عبارة عن المشاركة في النوع والماهية والفرس وإن كان بالغا في الكياسة لا يكون مثلا للإنسان لأنه مخالف له بالنوع وإنما يشاركه بالكياسة التي هي عارضة خارجة عن الماهية المقومة لذات الإنسانية والخاصية الإلهية أنه الموجود الواجب الجود بذاته التي يوجد عنها كل ما في الإمكان وجوده على أحسن وجوه النظام والكمال وهذه الخاصية لا يتصور فيها مشاركة البتة والمماثلة بها تحصل بكون العبد رحيما صبورا شكورا لا يوجب المماثلة ولا بكونه سميعا بصيرا عالما قادرا حيا فاعلا بل أقول الخاصية الإلهية ليست إلا لله تعالى ولا يعرفها إلا الله تعالى ولا يتصور أن يعرفها إلا هو أو من هو مثله وإذا لم يكن له مثل فلا يعرفها غيره فإذا الحق ما قاله الجنيد -رحمه الله تعالى- قال : لا يعرف الله إلا الله تعالى ولذلك لم يعط أحد خلقه إلا أسماء حجبه فقال : سبح اسم ربك الأعلى فوالله ما عرف الله غير الله في الدنيا والآخرة ولذلك قيل لذي النون المصري وقد أشرف على الموت : ماذا تشتهي ؟ فقال : أن أعرفه قبل أن أموت ولو بلحظة وهذا الآن يشوش قلوب أكثر الضعفاء ويوهم عندهم القول بالنفي والتعطيل وذلك لعجزهم عن فهم هذا الكلام ، وقد تقدم لهذا بحث فيما سبق ولو أطلنا فيه لبعد المجال وفي القدر الذي ذكرناه كفاية للمتطلع .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث