الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الفصل الثالث .

في التطوع بالصيام وترتيب الأوراد فيه .

اعلم أن استحباب الصوم يتأكد في الأيام الفاضلة وفواضل الأيام بعضها يوجد في كل سنة وبعضها يوجد في كل شهر وبعضها في كل أسبوع .

أما في السنة بعد أيام رمضان فيوم عرفة

التالي السابق


(الفصل الثالث في التطوع بالصيام وترتيب الأوراد فيها)

(اعلم أن استحبابه يتأكد في الأيام الفاضلة) مندوب إليه فمنه ما هو مرغب فيه بالحال كالصوم في الجهاد وبالزمان كصوم الاثنين والخميس وغير ذلك ما هو معين في نفسه من غير تقييده بزمان معين كيوم عاشوراء فإنه لا يتعين فيه زمان مخصوص من حيث أيام الجمعة لكن هو معين الشهر ومنه ما هو معين أيضا في الشهر كشهر شعبان ومنه ما هو مطلق في الشهور كالأيام البيض وصيام ثلاثة أيام من كل شهر ومنه ما هو مطلق كصيام أي يوم شاء ومنه ما هو مقيد بالترتيب كصيام داود وما يجري هذا المجرى وأما صوم يوم عرفة في عرفة فمختلف فيه وفي غير عرفة ليس كذلك وكذلك الستة من شوال مختلف في صورتها من التتابع وغير التتابع ومتى يبتدئ بها ؟ وهل تقع في السنة كلها مع ابتداء أول يوم منها في شوال أو تقع كلها في شوال ؟ وسيأتي بيان ذلك في أثناء كلام المصنف غير أنه لم يشر هنا إلى ما هو مرغب في الحال وهو الصوم في سبيل الله وقد خرج مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا "ما من عبد يصوم يوما في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفا " فذكر صوم العبيد لا صوم الأجراء والعبيد بالحال قليل وبالاعتقاد جميعهم والصوم تشبه إلهي ولهذا قال الصوم لي فنفاه عن العبد وليس للعبد من الصوم إلا الجوع فالتنزيه في الصوم له والجوع للعبد فإذا أقيم العبد في هذا المقام كما يتخلق بالأسماء الإلهية في صفة القهر والغلبة للمنازع الذي هو العدو ولهذا جعله في الجهاد لأن السبيل هنا في الظاهر الجهاد هذا تعطيه قرينة الحال لا مطلق اللفظ فإن أخذناه على مطلق اللفظ وهو نظر أهل الله في الأشياء يراعون ما قيد الله وما أطلقه فيقع الكلام فيه بحسب ما جاء فجاء بلفظ التفكر في السبيل ثم عرفه بالإضافة إلى الله والله هو الاسم الجامع لجميع حقائق الأسماء كلها وكلها لها بر مخصوص وسبيل إليها فأي بر كان العبد فيه فهو سبيل بر وهو سبيل الله فلهذا أتى بالاسم الجامع فعم كما تعم النكرة أي : لا تعين وكذلك نكر فيها وما عرف ليوسع ذلك كله مع عبيده في القرب إلى الله ثم نكر سبعين خريفا فأتى بالتمييز والتمييز لا يكون إلا نكرة ولم يعين زمانا فلم يدر سبعين خريفا من أيام الرب أو أيام ذي المعارج أو أيام منزلة من المنازل أو أيام واحد من الجواري الخنس أو أيام الحركة الكبرى فافهم الأمر فساوى التنكير الذي في سياق الحديث ولذلك قوله [ ص: 254 ] وجهه لم يدر هل هو وجهه الذي هو ذاته أو وجهه المعهود في عرف العامة وكذلك قوله من النار هل أراد به النار المعروفة أو الدار التي فيها النار لأنه قد يكون على عمل يستحق دخول تلك الدار ولا تصيبه النار وعلى الحقيقة فما منا إلا من يردها فإنها الطريق إلى الجنة وقد ألقيتك على مدرجة التحقيق في النظر في كلام الله وفي كلام المترجم عن الله من رسول أو ولي فافهمه (وفواضل الأيام بعضها يوجد في كل سنة) أي : يتكرر بتكرر كل سنة (وبعضها) يتكرر (في كل شهر) من السنة (وبعضها) يتكرر (في كل أسبوع) من الشهر فهو على ثلاثة أقسام (أما) القسم الأول وهو ما يتكرر (في السنة بعد أيام رمضان فيوم عرفة) وهو اليوم التاسع من ذي الحجة علم لا يدخلها الألف واللام وهي ممنوعة من الصرف للتأنيث والعلمية روى مسلم من حديث أبي قتادة مرفوعا : "صوم يوم عرفة كفارة سنتين وصوم يوم عاشوراء كفارة سنة " ورواه الطبراني من حديث زيد بن أرقم وسهل بن سعد وقتادة بن النعمان وابن عمر ورواه أحمد من حديث عائشة .

قال الرافعي : وهذا الاستحباب في حق غير الحجيج فينبغي لهم أن لا يصوموا لئلا يضعفوا عن الدماء وأعمال الحج ولم يصمه النبي -صلى الله عليه وسلم- بعرفة وأطلق كثير من الأئمة كونه مكروها لما روي أنه - صلى الله عليه وسلم- : "نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة " . فإن كان الشخص بحيث لا يضعف بسبب الصوم فقد قال أبو سعيد المتولي : الأولى أن يصوم حيازة للفضيلتين ونسب هذا غيره إلى مذهب أبي حنيفة وقال : الأولى عندنا أن لا يصوم بحال . أهـ .

قال الحافظ : قوله : ولم يصمه -صلى الله عليه وسلم- بعرفة متفق عليه من حديث أم الفضل ومن حديث ميمونة وأخرجه النسائي والترمذي وابن حبان من حديث ابن عمر بلفظ : "حججت مع النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يصم ومع أبي بكر كذلك ومع عمر كذلك ومع عثمان فلم يصم وأنا لا أصومه ولا آمر به ولا أنهى عنه " وأخرجه النسائي من حديث ابن عباس وهو في الصحيح ومن حديثه عنه عن أم الفضل وأما حديث : "نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة " ، فأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة وفيه مهدي الحجري وهو مجهول ورواه العقيلي في الضعفاء من طريقه وقال : لا يتابع عليه قال العقيلي : وقد روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بأسانيد جياد أنه لم يصم يوم عرفة بها ولا يصح عنه النهي عن صيامه .

قال الحافظ قلت : قد صححه ابن خزيمة ووثق مهديا المذكور ابن حبان . أهـ .

وفي كتاب الشريعة من صام هذا اليوم فإنه أخذ بحظ وافر مما أعطى الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- في قوله تعالى : ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر فلم يزل -صلى الله عليه وسلم- عمره كله في الحكم حكم الصائم في يوم عرفة وخصه باسم عرفة لشرف المعرفة التي هي العلم لأن المعرفة تتعدى إلى مفعول واحد فلها الأحدية فهو اسم شريف سمى الله به العلم فكان المعرفة علم بالأحدية والعلم قد يكون تعلقه بالأحدية وغيرها بخلاف المعرفة فعلمنا شرف يوم عرفة من حيث اسمه لما يتضمنه من الأحدية التي هي أشرف صفة الواحد في جميع الموجودات فإن الأحدية تسري في كل موجود قديم وحادث ولا يشعر بسريانها كل أحد كالحياة السارية في كل شيء ولما كانت الأحدية للمعرفة وأصل الأحدية لله تعالى رجحنا صومه على فطره إذ كان الصوم لله حقيقة كما أن الأحدية له حقيقة فوقعت المناسبة بين الصوم ويوم عرفة فإنه يوم لا مثل له لفعله فيما بعده وفيما قبله من التكفير فظهر عرفة بصفة الحق تعالى في قوله : لله الأمر من قبل ومن بعد وهذا ليس لغيره من الأزمان غاية عاشوراء أن يكفر ما ثبت فمتعلقه الموجود ومتعلق عرفة بالموجود والمعدوم كما أن الحق تعالى يتعلق بالموجود حفظا وبالمعدوم إيجادا فكثرت مناسبة يوم عرفة لأسماء الحق فترجح صومه وإنما اختلف الناس في صومه في عرفة لا في غيرها لمظنة المشقة فيه على الحاج غالبا كالمسافر في رمضان فمن العلماء من اختار الفطر فيه للحاج وصيامه لغير الحاج ليجمع بين الأثرين ، والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث