الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

الآية الثالثة والسبعون :

قوله تعالى : { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في [ ص: 285 ] أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله } فيها عشر مسائل :

المسألة الأولى : حرم الله تعالى النكاح في العدة ، وأوجب التربص على الزوجة ، وقد علم سبحانه أن الخلق لا يستطيعون الصبر عن ذكر النكاح والتكلم فيه ، فأذن في التصريح بذلك مع جميع الخلق ، وأذن في ذكر ذلك بالتعريض مع العاقد له ، وهو المرأة أو الولي ; وهو في المرأة آكد .

والتعريض هو القول المفهم لمقصود الشيء ، وليس بنص فيه . والتصريح هو التنصيص عليه والإفصاح بذكره ، مأخوذ من عرض الشيء وهو ناحيته ، كأنه يحوم على النكاح ولا يسف عليه ويمشي حوله ولا ينزل به .

المسألة الثانية : في تفسير التعريض : وقد روي عن السلف فيه كثير ، جماعه عندي يرجع إلى قسمين :

الأول : أن يذكرها للولي ; يقول لا تسبقني بها .

الثاني : أن يشير بذلك إليها دون واسطة . فإن ذكر ذلك لها بنفسه ففيه سبعة ألفاظ :

الأول : أن يقول لها : إني أريد التزويج .

الثاني : أن يقول لها : لا تسبقيني بنفسك ; قاله ابن عباس .

الثالث : أن يقول لها : إنك لجميلة ، وإن حاجتي في النساء ، وإن الله لسائق إليك خيرا .

الرابع : أن يقول لها : إنك لنافقة ; قاله ابن القاسم .

[ ص: 286 ] الخامس : إن لي حاجة ، وأبشري فإنك نافقة ، وتقول هي : قد أسمع ما تقول ; ولا تزيد شيئا ; قاله عطاء .

السادس : أن يهدي لها .

قال إبراهيم : إذا كان من شأنه . وقال الشعبي مثله في :

السابع : ولا يأخذ ميثاقها .

قالت سكينة بنت حنظلة بن عبد الله بن حنظلة : دخل علي أبو جعفر وأنا في عدتي فقال : يا بنت حنظلة ، قد علمت قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحق جدي علي . فقلت : غفر الله لك أبا جعفر ، تخطبني في عدتي وأنت يؤخذ عنك ؟ فقال : أوقد فعلت ، إنما أخبرتك بقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضعي .

وقد { دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم سلمة وكانت عند ابن عمها أبي سلمة فتوفي عنها ، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر لها منزلته من الله } ، وهو متحامل على يده حتى أثر الحصير في يده من شدة تحامله ، فما كانت تلك خطبة .

فانتحل من هذا فصلان :

أحدهما : أن يذكرها لنفسها .

الثاني : أن يذكرها لوليها أو يفعل فعلا يقوم مقام الذكر كأن يهدي لها .

والذي مال إليه مالك أن يقول : إني بك لمعجب ، ولك محب ، وفيك راغب . وهذا عندي أقوى التعريض ، وأقرب إلى التصريح .

والذي أراه أن يقول لها : إن الله تعالى سائق إليك خيرا ، وأبشري وأنت نافقة . فإن قال لها أكثر فهو إلى التصريح أقرب .

ألا ترى إلى ما قال أبو جعفر الباقر ، وإلى ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وأما إذا ذكرها لأجنبي فلا حرج عليه ولا حرج على الأجنبي في أن يقول : إن فلانا يريد أن يتزوجك إذا لم يكن ذلك بواسطة .

[ ص: 287 ] وهذا التعريض ونحوه من الذرائع المباحة ; إذ ليس كل ذريعة محظورا ، وإنما يختص بالحظر الذريعة في باب الربا ، لقول عمر رضي الله عنه : فدعوا الربا والريبة وكل ذريعة ريبة ; وذلك لعظيم حرمة الربا وشدة الوعيد فيه من الله تعالى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث