الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

وأما بيان من يجب عليه فقد قال أبو حنيفة : إنه لا يجب إلا على الرجال العاقلين المقيمين الأحرار من أهل الأمصار والمصلين المكتوبة بجماعة مستحبة ، فلا يجب على النسوان والصبيان والمجانين والمسافرين وأهل القرى ومن يصلي التطوع والفرض ، وقال أبو يوسف ومحمد : يجب على كل من يؤدي مكتوبة في هذه الأيام على أي وصف كان في أي مكان كان وهو قول إبراهيم النخعي ، وقال الشافعي في أحد قوليه : يجب على كل مصل فرضا كانت الصلاة أو نفلا ; لأن النوافل أتباع الفرائض فما شرع في حق الفرائض يكون مشروعا في حقها بطريق التبعية .

( ولنا ) ما روي عن علي وابن مسعود أنهما كانا لا يكبران عقيب التطوعات ولم يرو عن غيرهما خلاف ذلك فحل محل الإجماع ; ولأن الجهر بالتكبير بدعة إلا في موضع ثبت بالنص وما ورد النص إلا عقيب المكتوبات ولأن الجماعة شرط عند أبي حنيفة لما نذكر ، والنوافل لا تؤدى بجماعة وكذا لا يكبر عقيب الوتر عندنا .

أما عند أبي يوسف ومحمد فلأنه نفل ، وأما عند أبي حنيفة فلأنه لا يؤدى بجماعة في هذه الأيام ، ولأنه وإن كان واجبا فليس بمكتوب والجهر [ ص: 198 ] بالتكبير بدعة إلا في مورد النص والإجماع ولا نص ولا إجماع إلا في المكتوبات .

وكذا لا يكبر عقيب صلاة العيد عندنا لما قلنا ويكبر عقيب الجمعة ; لأنها فريضة كالظهر .

وأما الكلام مع أصحابنا فهما احتجا بقوله تعالى { ويذكروا اسم الله في أيام معلومات } ، وقوله { واذكروا الله في أيام معدودات } من غير تقييد مكان أو جنس أو حال ; ولأنه من توابع الصلاة بدليل أن ما يوجب قطع الصلاة من الكلام ونحوه يوجب قطع التكبير فكل من صلى المكتوبة ينبغي أن يكبر .

ولأبي حنيفة رحمه الله تعالى قول النبي صلى الله عليه وسلم { لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع } وقول علي رضي الله عنه لا جمعة ولا تشريق ولا فطر ولا أضحى إلا في مصر جامع .

والمراد من التشريق هو رفع الصوت بالتكبير هكذا قال النضر بن شميل وكان من أرباب اللغة فيجب تصديقه ، ولأن التصديق في اللغة هو الإظهار ، والشروق هو الظهور يقال : شرقت الشمس إذا طلعت وظهرت سمي موضع طلوعها وظهورها مشرقا لهذا ، والتكبير نفسه إظهار لكبرياء الله وهو إظهار ما هو من شعار الإسلام فكان تشريقا ، ولا يجوز حمله على صلاة العيد ; لأن ذلك مستفاد بقوله : ولا فطر ولا أضحى في حديث علي رضي الله عنه ولا على إلقاء لحوم الأضاحي بالمشرقة ; لأن ذلك لا يختص بمكان دون مكان فتعين التكبير مرادا بالتشريق ولأن رفع الصوت بالتكبير من شعائر الإسلام ، وإعلام الدين وما هذا سبيله لا يشرع إلا في موضع يشتهر فيه ويشيع وليس ذلك إلا في المصر الجامع ولهذا يختص به الجمع والأعياد وهذا المعنى يقتضي أن لا يأتي به المنفرد والنسوان ; لأن معنى الاشتهار يختص بالجماعة دون الأفراد ولهذا لا يصلي المنفرد صلاة الجمعة والعيد ، وأمر النسوان مبني على الستر دون الإشهار .

وأما الآية الثانية فقد ذكرنا اختلاف أهل التأويل فيها .

وأما الأولى فنحملها على خصوص المكان والجنس والحال عملا بالدليلين بقدر الإمكان وما ذكروا من معنى التبعية مسلم عند وجود شرط المصر والجماعة وغيرهما من الشرائط ، فأما عند عدمها فلا نسلم التبيعة .

ولو اقتدى المسافر بالمقيم وجب عليه التكبير ; لأنه صار تابعا لإمامه ألا ترى أنه تغير فرضه أربعا فيكبر بحكم التبعية ، وكذا النساء إذا اقتدين برجل وجب عليهن على سبيل المتابعة فإن صلين بجماعة وحدهن فلا تكبير عليهن لما قلنا .

وأما المسافرون إذا صلوا في المصر بجماعة ففيه روايتان روى الحسن عن أبي حنيفة أن عليهم التكبير والأصح أن لا تكبير عليهم ; لأن السفر مغير للفرض مسقط للتكبير ثم في تغير الفرض لا فرق بين أن يصلوا في المصر أو خارج المصر فكذا في سقوط التكبير ، ولأن المصر الجامع شرط والمسافر ليس من أهل المصر فالتحق المصر في حقه بالعدم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث