الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                                          ولا يجوز أن يشهد إلا بما يعلمه برؤية أو سماع .

                                                                                                                          والرؤية تختص بالأفعال كالقتل والغصب والسرقة وشرب الخمر والرضاع والولادة وغيرها ، والسماع على ضربين : سماع من المشهود عليه ، نحو الإقرار والعقود والطلاق والعتاق ، وسماع من جهة الاستفاضة مما يتعذر علمه في الغالب إلا بذلك كالنسب والموت والملك والنكاح والخلع والوقف ومصرفه والعتق والولاء والولاية والعزل ، وما أشبه ذلك .

                                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                                          ( ولا يجوز أن يشهد إلا بما يعلمه ) لقوله تعالى : ولا يملك الذين يدعون [ الزخرف : 86 ] قال المفسرون : من شهد بالحق وهو توحيد الله تعالى ، وهو يعلم ما شهد به عن بصيرة وإتقان .

                                                                                                                          ومعناه : لكن من شهد بالحق ، فيكون الاستثناء منقطعا ، وقال ابن عباس : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الشهادة ، قال : ترى الشمس على مثلها فاشهد أو دع رواه الخلال ، ولأن الشهادة بغير علم رجم بالغيب ، وذلك حرام .

                                                                                                                          ومدرك العلم الذي تحصل به الشهادة ( برؤية أو سماع ) غالبا ، زاد في [ ص: 194 ] " المستوعب " و " الرعاية " : حال التحمل ، لقوله تعالى : ولا تقف ما ليس لك به علم [ الإسراء : 36 ] . ويختص الثلاث في الآية بالسؤال ؛ لأن العلم بالفؤاد ، وهو يستند إلى السمع والبصر ، لأن مدرك الشهادة الرؤية والسماع ، وهما بالبصر والسمع دون ما عداهما من مدارك العلم ، وهو المس والذوق والشم لا حاجة إليها في الشهادة في الأغلب ( والرؤية تختص بالأفعال كالقتل والغصب والسرقة وشرب الخمر والرضاع والولادة وغيرها ) كالعيوب المرئية في المبيع ونحوها ( والسماع على ضربين : سماع من المشهود عليه ، نحو الإقرار والعقود والطلاق والعتاق ) وحكم الحاكم ، فلا يجوز التحمل فيها إلا بسماع القول ومعرفة القائل يقينا ، ذكره في " الكافي " .

                                                                                                                          وحينئذ يلزمه أن يشهد على من سمعه ، وإن لم يشهده به لاختفائه ، أو مع العلم به ؛ لأن العلم يحصل بذلك ، وإن حصل العلم بدونه كمعرفة صوت القائل كفى ؛ لأنه علم المشهود عليه كما لو رآه ، وهو قول ابن عباس وجمع ، وقال جماعة من العلماء : لا تجوز الشهادة حتى يشاهد القائل المشهود عليه ؛ لأن الأصوات تشتبه ، وأجيب : بأن جواز الاشتباه في الأصوات كجواز اشتباه الصور .

                                                                                                                          وعنه : لا يلزمه فيخير ، وعنه : يحرم في إقرار وحكم ، وعنه : وغيرهما حتى يشهده .

                                                                                                                          وعنه : إن أقر بحق سابق نحو : كان له ، فحتى يشهده . [ ص: 195 ] وظاهر كلامهم : أن الحاكم إذا شهد عليه شهد ، سواء وقت الحكم أو لا .

                                                                                                                          وقال أبو الخطاب وأبو الوفا : إذا كان بعده ، فيقولان : أخبرنا أنه حكم ، ولا يقولان : أشهدنا . وعلى الأولى إذا قال المتحاسبان : لا تشهدوا علينا بما جرى بيننا ، لم يمنع ذلك الشهادة ولزم إقامتها على الأشهر .

                                                                                                                          تنبيه : إذا عرف المشهود عليه باسمه وعينه ونسبه ، جاز أن يشهد عليه مطلقا ، وإن لم يعرف ذلك لم يشهد عليه في غيبته ، وفي " الفروع " : وإن كان غائبا فعرفه به من يسكن إليه جاز أن يشهد في الأصح ، وظاهر ما نقله مهنا : الاكتفاء بمعرفة الاسم ؛ لأنه إذا حصل به التمييز فلا حاجة إلى معرفة النسب ، والمرأة كالرجل .

                                                                                                                          قال أحمد : إلا لمن تعرف ، وعلى من تعرف ، وقال : لا تشهد على امرأة حتى تنظر إلى وجهها ، وهو محمول على من لم يتيقن معرفتها ، ونص أحمد على المنع على من لا يعرفه بتعريف غيره .

                                                                                                                          قال القاضي : هو محمول على الاستحباب لتجويزه الشهادة بالاستفاضة .

                                                                                                                          ونقل حنبل : لا يشهد عليها إلا بإذن زوجها ، وعلله بأنه أملك لعصمتها ، وقطع به ، وحمل على أنه لا يدخل بيتها إلا بإذن زوجها للخبر .

                                                                                                                          فأما الشهادة عليها في غير بيتها فجائز ؛ لأن إقرارها وتصرفها صحيح إذا [ ص: 196 ] كانت رشيدة ( وسماع من جهة الاستفاضة مما يتعذر علمه في الغالب إلا بذلك ) لأن المنع منها يؤدي إلى عدم ثبوت ما ذكر ـ غالبا ـ في بعضها ، وهو ضرر عظيم ، وهو منفي شرعا ( كالنسب ) وهو محل إجماع كالولادة ؛ لأنه لا سبيل إلى معرفته إلا بالاستفاضة ( والموت والملك ) المطلق ، قيده به جماعة ، مثل أن يستفيض عنده أنه ملك فلان ( والنكاح ) قال جماعة : دوامه ، لا أنه تزوجها ( والخلع والوقف ) أي : أنه وقف زيد ، لا أنه وقفه ( ومصرفه ) وحكاه في " المغني " عن الأصحاب ، وجزم به في " الكافي " ، وفي " الرعاية " : أن الوقف ومصرفه يثبت بها ، في الأصح فيهما ( والعتق ) أي : أنه عتيق وحر ، لا أن سيده أعتقه ( والولاء والولاية والعزل ) لأن العلم في ذلك كله يتعذر غالبا ، أشبه النسب .

                                                                                                                          لا يقال : يمكن العلم به بمشاهدة سببه ؛ لأن الإمكان لا ينافي التعذر غالبا ، ولأن وجود السبب لا يعلم به المسبب قطعا ؛ لجواز أن يبيع مثلا غير ملكه ، وذكر ابن هبيرة عن أحمد : أنه يثبت في الملك المطلق والوقف والنكاح والعتق والنسب والولاء ، وقاله الإصطخري ، واقتصر عليه في " الشرح " وزاد : مصرف الوقف والموت والولاية والعزل ، وكذا في " الكافي " إلا أنه لم يذكر الولاء ( وما أشبه ذلك ) كالطلاق ، نص عليه .

                                                                                                                          وفي " عمد الأدلة " : مقتضى تعليل أصحابنا أن يثبت الدين بالاستفاضة . [ ص: 197 ] ومقتضاه : أنه لا يثبت في حد ولا قود ، وظاهر قول الخرقي وابن حامد بخلافه ؛ لأنهم أطلقوا الشهادة بما تظاهرت به الأخبار .

                                                                                                                          وفي " الترغيب " : تسمع فيما تستقر معرفته بالتسامع لا في عقد ، والأشهر أنه لا يثبت إلا في نسب وموت وملك مطلق وعتق وولاء ونكاح ووقف .



                                                                                                                          الخدمات العلمية