الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كتاب الغصب

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 121 ] كتاب الغصب قوله ( وهو الاستيلاء على مال الغير قهرا بغير حق ) .

وكذا قال في الهداية ، والمذهب ، ومسبوك الذهب ، والمستوعب ، والخلاصة ، والمذهب الأحمد ، والحاوي الصغير ، وغيرهم . وليس بجامع . لعدم دخول غصب الكلب ، وخمر الذمي ، والمنافع ، والحقوق ، والاختصاص . قال الحارثي : وحقوق الولايات ، كمنصب الإمارة ، والقضاء . قال الزركشي : الاستيلاء يستدعي القهر والغلبة . فإذن قوله " قهرا " زيادة في الحد . ولهذا أسقطه في المغني . انتهى . قلت : الذي يظهر : أن " الاستيلاء " يشمل القهر والغلبة وغيرهما . فلو اقتصر على الاستيلاء لورد عليه المسروق ، والمنتهب ، والمختلس . فإن ذلك لا يسمى غصبا . ويقال : استولى عليه . وقال في المطلع : فلو قال " الاستيلاء على حق غيره " لصح لفظا وعم معنى . انتهى وقوله " لصح لفظا " لكون المصنف أدخل الألف واللام على " غير " . قال : والمعروف عند أهل اللغة عدم دخولهما عليها . قلت : قد حكى النووي رحمه الله في تهذيب الأسماء واللغات عن غير واحد من أهل العربية : أنهم جوزوا دخولهما على " غير " . وممن أدخل الألف واللام على " غير " من الأصحاب : من تقدم ذكره ، وصاحب المحرر ، والرعايتين ، والحارثي . وقال في الرعايتين : هو الاستيلاء على مال الغير قهرا ظلما . ويرد عليه ما تقدم .

وقال في الفروع تبعا للحارثي هو الاستيلاء على حق غيره قهرا ظلما . [ ص: 122 ] قال الحارثي : هذا أسد الحدود . قلت : فهو أولى من حد صاحب المطلع وأمنع . فإنه يرد على حد صاحب المطلع : لو استولى على حق غيره من غير ظلم ولا قهر : أنه يسمى غصبا . وليس كذلك . اللهم إلا أن يكون مراده ذلك مع بقية حد المصنف . وهو الظاهر . وقال في الوجيز : هو الاستيلاء على حق غيره ظلما ويرد عليه ما أخذ من غير قهر . وقال في تجريد العناية : هو استيلاء غير حربي على حق غيره قهرا بغير حق قلت : هو أصح الحدود وأسلمها . ويرد على حد غيره : استيلاء الحربي . فإنه استيلاء على حق غيره قهرا بغير حق . وليس بغصب . على ما يأتي قريبا في كلام الشيخ تقي الدين رحمه الله . وقال في المحرر : هو الاستيلاء على مال الغير ظلما . وتابعه في الفائق ، وإدراك الغاية . ومعناه في الكافي ، والعمدة ، والمغني . قال الشيخ تقي الدين رحمه الله وقوله " على مال الغير ظلما " يدخل فيه مال المسلم ، والمعاهد . وهو المال المعصوم . ويخرج منه استيلاء المسلمين على أموال أهل الحرب . فإنه ليس بظلم . ويدخل فيه استيلاء أهل الحرب على مال المسلمين . وليس بجيد ، فإنه ليس من الغصب المذكور حكمه .

هذا بإجماع المسلمين . إذ لا خلاف أنه لا يضمن بالإتلاف ، ولا بالتلف . وإنما الخلاف في وجوب رد عينه إذا قدرنا على أخذه . وأما أموال أهل البغي ، وأهل العدل : فقد لا يرد . لأنه هناك لا يجوز الاستيلاء على عينها . ومتى أتلف بعد الاستيلاء على عينها ضمنت . وإنما الخلاف في ضمانها بالإتلاف وقت الحرب . ويدخل فيه ما أخذه الملوك والقطاع من أموال الناس بغير حق من المكوس وغيرها . فأما استيلاء أهل الحرب بعضهم على بعض : فيدخل فيه . وليس بجيد . [ ص: 123 ] لأنه ظلم . فيحرم عليهم قتل النفوس ، وأخذ الأموال إلا بأمر الله . لكن يقال : لما كان المأخوذ مباحا بالنسبة إلينا لم يصر ظلما في حقنا ، ولا في حق من أسلم منهم . فأما ما أخذ من الأموال والنفوس ، أو أتلف منهما في حال الجاهلية : فقد أقر قراره . لأنه كان مباحا . لأن الإسلام عفا عنه . فهو عفو بشرط الإسلام . وكذا بشرط الأمان . فلو تحاكم إلينا مستأمنان حكمنا بالاستقرار . انتهى . قلت : ويرد عليه ما ورد على المصنف وغيره مما تقدم ذكره . ويرد عليه أيضا المسروق ، والمختلس ، ونحوهما .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث