الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
القول في تأويل قوله تعالى : ( فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا ( 24 ) وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا ( 25 ) )

اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الحجاز والعراق ( فناداها من تحتها ) بمعنى : فناداها جبرائيل من بين يديها على اختلاف منهم في تأويله; فمن متأول منهم إذا قرأه ( من تحتها ) كذلك; ومن متأول منهم أنه عيسى ، وأنه ناداها من تحتها بعد ما ولدته . وقرأ ذلك بعض قراء أهل الكوفة والبصرة ( فناداها من تحتها ) وبفتح التاءين من تحت ، بمعنى : فناداها الذي تحتها ، على أن الذي تحتها عيسى ، وأنه الذي نادى أمه .

ذكر من قال : الذي ناداها من تحتها الملك ، حدثنا ابن حميد ، قال : [ ص: 173 ] ثنا يحيى بن واضح ، قال : ثنا عبد المؤمن ، قال : سمعت ابن عباس قرأ : ( فناداها من تحتها ) يعني : جبرائيل .

حدثني أحمد بن عبد الله أحمد بن يونس ، قال : أخبرنا عبثر ، قال : ثنا حصين ، عن عمرو بن ميمون الأودي ، قال : الذي ناداها الملك .

حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، أنه قرأ : فخاطبها من تحتها .

حدثنا أبو هشام الرفاعي ، قال : ثنا يحيى ، قال : ثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة أنه قرأ : فخاطبها من تحتها .

حدثنا الرفاعي ، قال : ثنا وكيع ، عن أبيه ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة أنه قرأها كذلك .

حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا أبو عامر ، قال : ثنا سفيان ، عن جويبر ، عن الضحاك ( فناداها من تحتها ) قال : جبرائيل .

حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن سفيان ، عن جويبر ، عن الضحاك ، مثله .

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( فناداها من تحتها ) : أي من تحت النخلة .

حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ( فناداها ) جبرائيل ( من تحتها ألا تحزني ) .

حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله ( فناداها من تحتها ) قال : الملك .

حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله ( فناداها من تحتها ) يعني : جبرائيل كان أسفل منها .

حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، ( فناداها من تحتها ) قال : ناداها جبرائيل ولم يتكلم عيسى حتى أتت قومها . [ ص: 174 ]

ذكر من قال : ناداها عيسى صلى الله عليه وسلم : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله ( فناداها من تحتها ) قال : عيسى ابن مريم .

حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا أبو عامر ، قال : ثنا سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .

حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله .

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، عن الحسن ( فناداها من تحتها ) ابنها .

حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، قال : قال الحسن : هو ابنها .

حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عمن لا يتهم ، عن وهب بن منبه ( فناداها ) عيسى ( من تحتها ألا تحزني ) .

حدثني أبو حميد أحمد بن المغيرة الحمصي ، قال : ثنا عثمان بن سعيد ، قال : ثنا محمد بن مهاجر ، عن ثابت بن عجلان ، عن سعيد بن جبير ، قوله ( فناداها من تحتها ) قال عيسى : أما تسمع الله يقول ( فأشارت إليه ) .

حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ( فناداها من تحتها ) قال : عيسى; ناداها ( من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا ) .

حدثت عن عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية الرياحي ، عن أبي بن كعب قال : الذي خاطبها هو الذي حملته في جوفها ودخل من فيها .

قال أبو جعفر : وأولى القولين في ذلك عندنا قول من قال : الذي ناداها ابنها عيسى ، وذلك أنه من كناية ذكره أقرب منه من ذكر جبرائيل ، فرده على الذي هو أقرب إليه أولى من رده على الذي هو أبعد منه . ألا ترى في سياق [ ص: 175 ] قوله ( فحملته فانتبذت به مكانا قصيا ) يعني به : فحملت عيسى فانتبذت به ، ثم قيل : فناداها نسقا على ذلك من ذكر عيسى والخبر عنه . ولعلة أخرى ، وهي قوله ( فأشارت إليه ) ولم تشر إليه إن شاء الله إلا وقد علمت أنه ناطق في حاله تلك ، وللذي كانت قد عرفت ووثقت به منه بمخاطبته إياها بقوله لها ( ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا ) وما أخبر الله عنه أنه قال لها أشيري للقوم إليه ، ولو كان ذلك قولا من جبرائيل ، لكان خليقا أن يكون في ظاهر الخبر ، مبينا أن عيسى سينطق ، ويحتج عنها للقوم ، وأمر منه لها بأن تشير إليه للقوم إذا سألوها عن حالها وحاله .

فإذا كان ذلك هو الصواب من التأويل الذي بينا ، فبين أن كلتا القراءتين ، أعني ( من تحتها ) بالكسر ، " ومن تحتها " بالفتح صواب . وذلك أنه إذا قرئ بالكسر كان في قوله ( فناداها ) ذكر من عيسى : وإذا قرئ ( من تحتها ) بالفتح كان الفعل لمن وهو عيسى . فتأويل الكلام إذن : فناداها المولود من تحتها أن لا تحزني يا أمه ( قد جعل ربك تحتك سريا ) .

كما حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله ( فناداها من تحتها ألا تحزني ) قالت : وكيف لا أحزن وأنت معي ، لا ذات زوج فأقول من زوج ، ولا مملوكة فأقول من سيدي ، أي شيء عذري عند الناس ( يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا ) فقال لها عيسى : أنا أكفيك الكلام .

واختلف أهل التأويل في المعني بالسري في هذا الموضع ، فقال بعضهم : عني به : النهر الصغير .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن البراء بن عازب ( قد جعل ربك تحتك سريا ) قال : الجدول .

حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، قال : سمعت البراء يقول في هذه الآية ( قد جعل ربك تحتك سريا ) قال : الجدول . [ ص: 176 ]

حدثني علي ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله ( قد جعل ربك تحتك سريا ) وهو نهر عيسى .

حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله ( قد جعل ربك تحتك سريا ) قال : السري : النهر الذي كان تحت مريم حين ولدته كان يجري يسمى سريا .

حدثني أبو حصين ، قال : ثنا عبثر ، قال : ثنا حصين ، عن عمرو بن ميمون الأودي ، قال في هذه الآية ( قد جعل ربك تحتك سريا ) قال : السري : نهر يشرب منه .

حدثنا يعقوب و أبو كريب ، قالا ثنا هشيم ، قال : أخبرنا حصين ، عن عمرو بن ميمون ، في قوله : ( قد جعل ربك تحتك سريا ) قال : هو الجدول .

حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى; وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ( سريا ) قال : نهر بالسريانية .

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله ، قال ابن جريج : نهر إلى جنبها .

حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا أبو داود ، قال : ثنا شعبة ، عن قتادة ، عن الحسن ، في قوله ( قد جعل ربك تحتك سريا ) قال : كان سريا فقال حميد بن عبد الرحمن : إن السري : الجدول ، فقال : غلبتنا عليك الأمراء .

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا أبو بكر بن عياش ، عن أبي حصين ، عن سعيد بن جبير ( قد جعل ربك تحتك سريا ) قال : هو الجدول ، النهر الصغير ، وهو بالنبطية : السري .

حدثني أبو حميد الحمصي ، قال : ثنا عثمان بن سعيد ، قال : ثنا محمد بن مهاجر ، عن ثابت بن عجلان قال : سألت سعيد بن جبير ، عن السري ، قال : نهر .

حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا هشيم ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، قال : النهر الصغير . [ ص: 177 ]

حدثني يعقوب ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا مغيرة ، عن إبراهيم ، أنه قال : هو النهر الصغير : يعني الجدول ، يعني قوله ( قد جعل ربك تحتك سريا ) .

حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سلمة بن نبيط ، عن الضحاك ، قال : جدول صغير بالسريانية .

حدثنا عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ ، قال : أخبرنا عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله ( تحتك سريا ) الجدول الصغير من الأنهار .

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( قد جعل ربك تحتك سريا ) والسري : هو الجدول ، تسمية أهل الحجاز .

حدثنا الحسن ، قال : ثنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، في قوله ( سريا ) قال : هو جدول .

حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عمن لا يتهم وعن وهب بن منبه ( قد جعل ربك تحتك سريا ) يعني ربيع الماء .

- حدثنا موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ( قد جعل ربك تحتك سريا ) والسري : هو النهر .

وقال آخرون : عنى به عيسى .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، عن الحسن ( قد جعل ربك تحتك سريا ) والسري : عيسى نفسه .

حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله ( قد جعل ربك تحتك سريا ) يعني نفسه ، قال : وأي شيء أسرى منه ، قال : والذين يقولون : السري : هو النهر ليس كذلك النهر ، لو كان النهر لكان إنما يكون إلى جنبها ، ولا يكون النهر تحتها .

قال أبو جعفر : وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قيل من قال : عنى به الجدول ، وذلك أنه أعلمها ما قد أتاها الله من الماء الذي جعله عندها ، وقال لها ( وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلي ) من هذا الرطب ( واشربي ) من هذا الماء ( وقري عينا ) بولدك ، والسري معروف من كلام العرب أنه النهر الصغير; ومنه قول لبيد :

[ ص: 178 ]

فتوسطا عرض السري وصدعا مسجورة متجاورا قلامها



ويروى فينا مسجورة ، ويروى أيضا : فغادرا .

قوله ( وهزي إليك بجذع النخلة ) ذكر أن الجذع كان جذعا يابسا ، وأمرها أن تهزه ، وذلك في أيام الشتاء ، وهزها إياه كان تحريكه .

كما حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله ( وهزي إليك بجذع النخلة ) قال : حركيها .

ذكر من قال ذلك :

حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ( وهزي إليك بجذع النخلة ) قال : كان جذعا يابسا ، فقال لها : هزيه ( تساقط عليك رطبا جنيا ) .

حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، قال : ثنا عبد المؤمن ، قال : سمعت أبا نهيك يقول : كانت نخلة يابسة .

حدثني محمد بن سهل بن عسكر ، قال : ثنا إسماعيل بن عبد الكريم ، قال : ثني عبد الصمد بن معقل قال : سمعت وهب بن منبه يقول في قوله : ( وهزي إليك بجذع النخلة ) فكان الرطب يتساقط عليها وذلك في الشتاء .

حدثنا موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ( وهزي إليك بجذع النخلة ) وكان جذعا منها مقطوعا فهزته ، فإذا هو نخلة ، وأجرى لها في المحراب نهرا ، فتساقطت النخلة رطبا جنيا فقال لها ( فكلي واشربي وقري عينا ) . [ ص: 179 ]

وقال آخرون : بل معنى ذلك : وهزي إليك بالنخلة .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، قال : قال مجاهد ( وهزي إليك بجذع النخلة ) قال : النخلة .

حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا سفيان ، عن عيسى بن ميمون ، عن مجاهد ، في قوله ( وهزي إليك بجذع النخلة ) قال : العجوة .

حدثني يعقوب ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا حصين ، عن عمرو بن ميمون ، أنه تلا هذه الآية : ( وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا ) قال : فقال عمرو : ما من شيء خير للنفساء من التمر والرطب ، وأدخلت الباء في قوله : ( وهزي إليك بجذع النخلة ) كما يقال : زوجتك فلانة ، وزوجتك بفلانة; وكما قال ( تنبت بالدهن ) بمعنى : تنبت الدهن .

وإنما تفعل العرب ذلك ، لأن الأفعال تكنى عنها بالباء ، فيقال إذا كنيت عن ضربت عمرا : فعلت به ، وكذلك كل فعل ، فلذلك تدخل الباء في الأفعال وتخرج ، فيكون دخولها وخروجها بمعنى ، فمعنى الكلام : وهزي إليك جذع النخلة ، وقد كان لو أن المفسرين كانوا فسروه وكذلك : وهزي إليك رطبا بجذع النخلة ، بمعنى : على جذع النخلة ، وجها صحيحا ، ولكن لست أحفظ عن أحد أنه فسره كذلك . ومن الشاهد على دخول الباء في موضع دخولها وخروجها منه سواء قول الشاعر :


بواد يمان ينبت السدر صدره     وأسفله بالمرخ والشبهان

[ ص: 180 ]

واختلف القراء في قراءة قوله ( تساقط ) فقرأ ذلك عامة قراء المدينة والبصرة والكوفة ( تساقط ) بالتاء من تساقط وتشديد السين ، بمعنى : تتساقط عليك النخلة رطبا جنيا ، ثم تدغم إحدى التاءين في الأخرى فتشدد وكأن الذين قرءوا ذلك كذلك وجهوا معنى الكلام إلى : وهزي إليك بجذع النخلة تساقط النخلة عليك رطبا : وقرأ ذلك بعض قراء الكوفة ( تساقط ) بالتاء وتخفيف السين ، ووجه معنى الكلام ، إلى مثل ما وجه إليه مشددوها ، غير أنهم خالفوهم في القراءة . وروي عن البراء بن عازب أنه قرأ ذلك ( يساقط ) بالياء .

حدثني بذلك أحمد بن يوسف ، قال : ثنا القاسم ، قال : ثنا يزيد ، عن جرير بن حازم ، عن أبي إسحاق قال : سمعت البراء بن عازب يقرؤه كذلك ، وكأنه وجه معنى الكلام إلى : وهزي إليك بجذع النخلة يتساقط الجذع عليك رطبا جنيا .

وروي عن أبي نهيك أنه كان يقرؤه ( تسقط ) بضم التاء وإسقاط الألف .

حدثنا بذلك ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، قال : ثنا عبد المؤمن ، قال : سمعت أبا نهيك يقرؤه كذلك ، وكأنه وجه معنى الكلام إلى : تسقط النخلة عليك رطبا جنيا .

قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : إن هذه القراءات الثلاث ، أعني"تساقط" بالتاء وتشديد السين ، وبالتاء وتخفيف السين ، وبالياء وتشديد السين ، قراءات متقاربات المعاني ، قد قرأ بكل واحدة منهن قراء أهل معرفة بالقرآن ، فبأي ذلك قرأ القارئ فمصيب الصواب فيه ، وذلك أن الجذع إذا تساقط رطبا ، وهو ثابت غير مقطوع ، فقد تساقطت النخلة رطبا ، وإذا تساقطت النخلة رطبا ، فقد تساقطت النخلة بأجمعها ، جذعها وغير جذعها ، وذلك أن النخلة ما دامت قائمة على أصلها ، فإنما هي جذع وجريد [ ص: 181 ] وسعف ، فإذا قطعت صارت جذعا ، فالجذع الذي أمرت مريم بهزه لم يذكر أحد نعلمه أنه كان جذعا مقطوعا غير السدي ، وقد زعم أنه عاد بهزها إياه نخلة ، فقد صار معناه ومعنى من قال : كان المتساقط عليها رطبا نخلة - واحدا ، فتبين بذلك صحة ما قلنا .

وقوله : ( جنيا ) يعني مجنيا; وإنما كان أصله مفعولا فصرف إلى فعيل; والمجني : المأخوذ طريا ، وكل ما أخذ من ثمرة ، أو نقل من موضعه بطراوته فقد اجتني ، ولذلك قيل : فلان يجتني الكمأة; ومنه قول ابن أخت جذيمة :


هذا جناي وخياره فيه     إذ كل جان يده إلى فيه



التالي السابق


الخدمات العلمية