الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم

( قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون ) .

قال تعالى : ( قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون ) .

اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار شبهاتهم في الطعن في النبوة ، حكى عن الأنبياء عليهم السلام جوابهم عنها .

أما الشبهة الأولى : وهي قولهم : ( إن أنتم إلا بشر مثلنا ) فجوابه : أن الأنبياء سلموا أن الأمر كذلك ، لكنهم بينوا أن التماثل في البشرية والإنسانية لا يمنع من اختصاص بعض البشر بمنصب النبوة لأن هذا المنصب منصب يمن الله به على من يشاء من عباده ، فإذا كان الأمر كذلك فقد سقطت هذه الشبهة .

واعلم أن هذا المقام فيه بحث شريف دقيق ، وهو أن جماعة من حكماء الإسلام قالوا : إن الإنسان ما لم يكن في نفسه وبدنه مخصوصا بخواص شريفة علوية قدسية ، فإنه يمتنع عقلا حصول صفة النبوة له . وأما الظاهريون من أهل السنة والجماعة فقد زعموا أن حصول النبوة عطية من الله تعالى يهبها لكل من يشاء من عباده ، ولا يتوقف حصولها على امتياز ذلك الإنسان عن سائر الناس بمزيد إشراق نفساني وقوة قدسية ، وهؤلاء تمسكوا بهذه الآية ، فإنه تعالى بين أن حصول النبوة ليس إلا بمحض المنة من الله تعالى والعطية منه ، والكلام من هذا الباب غامض غائص دقيق ، والأولون أجابوا عنه بأنهم لم يذكروا فضائلهم النفسانية والجسدانية تواضعا منهم ، واقتصروا على قولهم : ( ولكن الله يمن على من يشاء من عباده ) [ إبراهيم : 11 ] بالنبوة ؛ لأنه قد علم أنه تعالى لا يخصهم بتلك الكرامات إلا وهم موصوفون بالفضائل التي لأجلها استوجبوا ذلك التخصيص ، كما قال تعالى : ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) [ الأنعام : 124 ] .

وأما الشبهة الثانية : وهي قولهم : إطباق السلف على ذلك الدين يدل على كونه حقا ؛ لأنه يبعد أن يظهر للرجل الواحد ما لم يظهر للخلق العظيم ، فجوابه : عين الجواب المذكور عن الشبهة الأولى ؛ لأن التمييز بين الحق والباطل والصدق والكذب عطية من الله تعالى وفضل منه ، ولا يبعد أن يخص بعض عبيده بهذه العطية وأن يحرم الجمع العظيم منها .

وأما الشبهة الثالثة : وهي قولهم : إنا لا نرضى بهذه المعجزات التي أتيتم بها ، وإنما نريد معجزات قاهرة قوية .

[ ص: 77 ] فالجواب عنها : قوله تعالى : ( وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله ) وشرح هذا الجواب : أن المعجزة التي جئنا بها وتمسكنا بها حجة قاطعة وبينة قاهرة ودليل تام ، فأما الأشياء التي طلبتموها فهي أمور زائدة والحكم فيها لله تعالى فإن خلقها وأظهرها فله الفضل ، وإن لم يخلقها فله العدل ولا يحكم عليه بعد ظهور قدر الكفاية . ثم إنه تعالى حكى عن الأنبياء والرسل عليهم السلام أنهم قالوا بعد ذلك : ( وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) والظاهر أن الأنبياء لما أجابوا عن شبهاتهم بذلك الجواب فالقوم أخذوا في السفاهة والتخويف والوعيد ، وعند هذا قالت الأنبياء عليهم السلام : لا نخاف من تخويفكم ولا نلتفت إلى تهديدكم فإن توكلنا على الله واعتمادنا على فضل الله ، ولعل الله سبحانه كان قد أوحى إليهم أن أولئك الكفرة لا يقدرون على إيصال الشر والآفة إليهم ، وإن لم يكن حصل هذا الوحي فلا يبعد منهم أن لا يلتفتوا إلى سفاهتهم لما أن أرواحهم كانت مشرقة بالمعارف الإلهية مشرقة بأضواء عالم الغيب ، والروح متى كانت موصوفة بهذه الصفات فقلما يبالي بالأحوال الجسمانية وقلما يقيم لها وزنا في حالتي السراء والضراء وطوري الشدة والرخاء ؛ فلهذا السبب توكلوا على الله وعولوا على فضل الله وقطعوا أطماعهم عما سوى الله .

والذي يدل على أن المراد ما ذكرناه قوله تعالى حكاية عنهم : ( وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا ) يعني أنه تعالى لما خصنا بهذه الدرجات الروحانية والمعارف الإلهية الربانية فكيف يليق بنا أن لا نتوكل على الله ؟ بل اللائق بنا أن لا نتوكل إلا عليه ولا نعول في تحصيل المهمات إلا عليه ، فإن من فاز بشرف العبودية ووصل إلى مكان الإخلاص والمكاشفة يقبح به أن يرجع في أمر من الأمور إلى غير الحق سواء كان ملكا له أو ملكا أو روحا أو جسما ، وهذه الآية دالة على أنه تعالى يعصم أولياءه المخلصين في عبوديته من كيد أعدائهم ومكرهم .

ثم قال وا : ( ولنصبرن على ما آذيتمونا ) فإن الصبر مفتاح الفرج ، ومطلع الخيرات ، والحق لا بد وأن يصير غالبا قاهرا ، والباطل لا بد وأن يصير مغلوبا مقهورا ، ثم أعادوا قولهم : ( وعلى الله فليتوكل المتوكلون ) والفائدة فيه أنهم أمروا أنفسهم بالتوكل على الله في قوله : ( وما لنا ألا نتوكل على الله ) ثم لما فرغوا من أنفسهم أمروا أتباعهم بذلك وقالوا : ( وعلى الله فليتوكل المتوكلون ) وذلك يدل على أن الآمر بالخير لا يؤثر قوله إلا إذا أتى بذلك الخير أولا ، ورأيت في كلام الشيخ أبي حامد الغزالي رحمه الله فصلا حسنا وحاصله : أن الإنسان إما أن يكون ناقصا أو كاملا أو خاليا عن الوصفين . أما الناقص فإما أن يكون ناقصا في ذاته ولكنه لا يسعى في تنقيص حال غيره ، وإما أن يكون ناقصا ويكون مع ذلك ساعيا في تنقيص حال الغير ، فالأول هو الضال ، والثاني هو الضال المضل ، وأما الكامل فإما أن يكون كاملا ولا يقدر على تكميل الغير وهم الأولياء ، وإما أن يكون كاملا ويقدر على تكميل الناقصين وهم الأنبياء ولذلك قال عليه السلام : " علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل " .

ولما كانت مراتب النقصان والكمال ومراتب الإكمال والإضلال غير متناهية بحسب الكمية والكيفية ، لا جرم كانت مراتب الولاية والحياة غير متناهية بحسب الكمال والنقصان ، فالولي هو الإنسان الكامل الذي لا يقوى على التكميل ، والنبي هو الإنسان الكامل المكمل ، ثم قد تكون قوته الروحانية النفسانية وافية بتكميل إنسانين ناقصين وقد تكون أقوى من ذلك فيفي بتكميل عشرة ومائة ، وقد تكون تلك القوة قاهرة قوية تؤثر تأثير الشمس في العالم فيقلب أرواح أكثر أهل العالم من مقام الجهل إلى مقام المعرفة ومن طلب الدنيا إلى طلب الآخرة ، وذلك مثل روح محمد صلى الله عليه وسلم ، فإن وقت ظهوره كان العالم مملوءا من اليهود وأكثرهم كانوا مشبهة ، ومن النصارى وهم حلولية ، ومن المجوس وقبح مذاهبهم [ ص: 78 ] ظاهر ، ومن عبدة الأوثان وسخف دينهم أظهر من أن يحتاج إلى بيان ، فلما ظهرت دعوة محمد صلى الله عليه وسلم سرت قوة روحه في الأرواح فقلب أكثر أهل العالم من الشرك إلى التوحيد ، ومن التجسيم إلى التنزيه ، ومن الاستغراق في طلب الدنيا إلى التوجه إلى عالم الآخرة ، فمن هذا المقام ينكشف للإنسان مقام النبوة والرسالة .

إذا عرفت هذا فنقول : قوله : ( وما لنا ألا نتوكل على الله ) إشارة إلى ما كانت حاصلة لهم من كمالات نفوسهم ، وقولهم في آخر الأمر : ( وعلى الله فليتوكل المتوكلون ) إشارة إلى تأثير أرواحهم الكاملة في تكميل الأرواح الناقصة ، فهذه أسرار عالية مخزونة في ألفاظ القرآن ، فمن نظر في علم القرآن وكان غافلا عنها كان محروما من أسرار علوم القرآن . والله أعلم . وفي الآية وجه آخر وهو أن قوله : ( وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) المراد منه أن الذين يطلبون سائر المعجزات وجب عليهم أن يتوكلوا في حصولها على الله تعالى لا عليها ، فإن شاء أظهرها وإن شاء لم يظهرها .

وأما قوله في آخر الآية : ( ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون ) المراد منه الأمر بالتوكل على الله في دفع شر الناس الكفار وسفاهتهم ، وعلى هذا التقدير فالتكرار غير حاصل لأن قوله : ( وعلى الله فليتوكل ) وارد في موضعين مختلفين بحسب مقصودين متغايرين ، وقيل أيضا :

الأول : ذكر لاستحداث التوكل .

والثاني : للسعي في إبقائه وإدامته . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث