الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفصل الأول واقع أدب الأطفال

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

الفصل الأول

واقع أدب الأطفال

لا يشمل الأدب في هـذه الدراسـة الحكاية والقصة والرواية والأنشودة والمسرحية، وما تتضـمن من موضوعات خيالية أو واقعية، وإنمـا يتناول ما كتب للأطفـال من موضوعات تشمل قصص القرآن، ومـنه قصـص الأنبـياء والرسـل، والسـيرة النبوية وسير الصحابة والتاريخ الإسلامي.

هذه قدمت، وما تزال تقدم، للأطفال في أوعية معرفية متعددة مثل الكتاب والمجلة وأشرطة السينما والفيديو والأعمال التلفازية، إضافة إلى الأقراص المدمجة وما يقدم عبر الحاسوب وعبر شبكة المعلومات الدولية، ضمن القصة والمسرحية والأنشودة والمقالة، وتقتصر هـذه الدراسة على الكتاب فقط من بين تلك الأوعية، لأنه ما زال الأكثر وفرة من حيث الإنتاج في هـذه الموضوعات.

تقودنا القراءة الواعية لما كتب للأطفال على اختلاف مراحلهم العمرية إلى وقفة تأمل لا بد منها، في سبيل النظر بعين ناقدة فاحصة إلى مئات بل آلاف الكتب التي تقع بين أيدي أولاد الأمة، يقرأون ما فيها، [ ص: 31 ] فتترك أثرها عليهم، وقد يكون الأثر إيجـابيا وقد يكون سـلبيا، بحسب ما حوت، ولا شـك أن اهتمام دور النشر في إخراج هـذه الكتب بصورة مشوقة جذابة مع العناية الكبيرة بالمواد التوضيحية من صور ورسومات وغيرها، هـذا الاهتمام يدفع الأطـفال إلى القراءة، وإن كان على نطاق محدود بسبب تأثير وسـائل المعرفة الأخرى، المسموعـة منها والمرئية، ولا نريد من هـذه الدراسـة الحديث عن واقع قراءة أولاد الأمـة وموقفهم من الكتاب، وأثر الكبار على هـذا، وقوة وسائل المعرفة الأخـرى، فهذا وحده يتطلب دراسات للوقوف على واقع هـذه الحال، وقد كتبت دراسات حول هـذا، وارتفعت أصوات المربين، وما تزال ترتفع، في هـذه المسألة التي نعتبرها شديدة الخطورة في مجال التربية.

الموضوع إذا يتعرض لمحتوى الكتب المنتشرة في مكتبات الأطفال والمراكز الثقافية والتعليمية وفي البيوت والمكتبات التجارية، وأثر هـذا المحتوى على الأطفال، ولن يتم الحديث عن أمور الأشكال الأدبية واللغة والمفردات الخاصة بكل مرحلة عمرية، فالمقام لا يتسع لهذا كله رغم أهميته.

لا مغالاة ولا مبالغة في القول: بأن الثقافة بمفهومها الشامل تشكل الطفل على جميع المستويات، العقلية والفكرية والخلقية والسلوكية والاجتماعية، فهي تعمل على صياغته وفق ما يراد له.. والثقافة سلاح [ ص: 32 ] شـديد المضاء، وحيث إنـها تـهتم اهتماما بالغا بالعقل والفكر والاتجـاه والميل والمعرفة [1] ، وجب اعـتبارها الوسيلة الأكثر تأثيرا في مجـال التربية، بالمفهوم الواسـع الشـامل الذي يهدف إلى تنمية شخصية الإنسان [2] .

إن أدب الأطفال ليس بمنأى عن هـذا كله، فإنه يمثل جانبا كبيرا من الثقافة، وأثره على الطفل لا شك عميق يتغلغل في نفسه وعقله وقلبه، وخاصة أنه يتم طوعا، وكتاب الأطفال في هـذا الجانب يعتبر أكثر قبولا عند الطفل من الكتاب المدرسي. فالواقع التعليمي يشير إلى أن الكتاب المدرسي ينتهي دوره بانتهاء المدة الدراسية الخاصة به، وهي عام أو نصف عام، وهو يشكل عبئا على الطفل أكثر مما يكون مساعدا مساندا له يعينه ويرشده وينمي قدراته ويفتح أمامه الآفاق، وهذ جزء من واقع تعليمي تعيشه ديار الإسـلام يتطلب وقفات تأمل ومواجهة ودراسة، في حين أن الكتاب غير التعـليمي الذي نحن بصـدد الحديث عن محـتواه يكون أكثر قبولا وأشـد تأثـيرا، فالطـفل يقبل عليه باخـتياره، يقرأه ويعيش مع مضمونه خارج الإطـار التعليمي الإلزامـي، الذي يحتاج كما قلنا إلى تقويم وتصويب وتفعيل. [ ص: 33 ]

لقد شهد كتاب الأطفال حضورا بارزا في ثقافة الطفل، رغم المنافسة الشديدة التي يواجهها أمام أوعية المعرفة الأخرى التي تكاد تبعد الطفل عنه. ومع ذلك بقي له أثر، وقد تنبهت مؤسسات في أرجاء الديار إلى وضعه وتراجع الاهتمام به في العقدين الأخيرين، فعملت على تفعيل دوره في حياة الأطفال، وخصصت جوائز له، وإن كانت الجهود قليلة، وتتعثر الخطوات بعد ركض في هـذا المجال، ثم تقف.

ومن الضروري في هـذه الوقفة تناول قضية النشر، فهي قضية ذات أبعاد مؤثرة في مجال أدب الأطفال، ويكمن أثرها الفعلي والخطير في أن ناشرين يدعون كتابا للكتابة في موضوعات معينة ضمن سلاسل محددة، فالناشر، إلا من رحم ربي، صاحب القول الفصل في كثير مما ينشر، فهو يختاره من منظور تجاري بحت، وعادة ما يتدخل باقتراح الاستكتاب في موضوعات يعتبرها سريعة الرواج لأنها مطلوبة في السوق [3] . وظهرت تبعا لذلك مجموعة سلاسل تحمل عناوين مختلفة في قصص القرآن وقصص الأنبياء والسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي وأعلامه، وتعتمد اعتمادا كبيرا على سهولة التناول تبعا لسهولة السعر وبساطة الكلفة، وهذه السهولة تأتي ضمن عجلة التسرع، فالناشر في عجلة من أمره، يطرح في السوق [ ص: 34 ] بضـاعة حتى يجنـي أكبر قـدر من الأرباح، وغالبا ما يتعامل مع كتاب يستطيعون أن يلبوا رغباته دون النظر إلى أية تخصصات أو قدرات فكرية وأدبية وفـنية، فـتأتي الأعمال ضعيفة ومبتورة [4] ، ناهيك عن كونـها تحمل من الأخطـاء التاريخية والفـكرية الشـيء الكثير، وقد لا يدرك الناس وسـط هـذه الزحمـة التجارية ولغة السـوق حقيقـة ما تقدم تلك السلاسل من عجائب وغرائب تترك آثارها السلبية على قرائها الصغار.

إن رغبة الناشرين هـذه وتلهفهم على تحقيق أكبر قـدر من الربحية قد دفعت كتابا ومؤلفين ومعـدين، إلا من رحـم ربي، إلى خـوض غمار نزالات ثقافية لا يملكون أدواتـها الحقيقـية، ولا يستطيعون بالتالي أن يكونوا مؤثرين التأثـير المرجـو، بل على العـكس من ذلك فإن التأثير يشـكل خطرا كبيرا على تكوين أولاد الأمة، وغدا الأمر بالنسبة لهم مجرد تدوين صفحات دون التفـكر حقيقة فيما تحمل من قيم وأفكار وما تبث من مفهومات.

ترى جمهرة من الكتاب يغوصون في «مراجع» عن الموضوعات مدار الدراسـة، وغيرها أيضا، يأخذون منها الغث والسمين، وربما لم يدركوا [ ص: 35 ] ما يمكن للغث من أن يتركه من آثار جسـيمة طـالما أنـهم ينقلون دون تبصر بمـا يفعلون، ودون تمحـيص وتدقيق، وتبرز مشـكلة أمامهم لا يسـتطيعون لها حلا، لأنـهم في الأصـل لم يفكروا بها وهم عاكفون على النقل والتدوين وتسـويد الصفحات، فليس هـناك تأمل فيما في المراجع من خـير أو غـيره، وليس هـناك وعي كاف بما يمكن لهذا أن يعمل في الأولاد، فـتأتي العملية من حـاطبي ليل يكتبون وهم يظنون أنهم يحسنون صنعا.

وإذا ما انتقلنا إلى الناشرين نجد أنهم يقدمون على نشر ما يقع بأيديهم من صفحات، في غياب القدرة على التمييز بين ما هـو صحيح وما هـو غير ذلك، وما هـو حق وما هـو باطل، وهم يملكون زمام النشر وأدواته ولا يملكون ملكات النقد الحقيقية، إلا من رحم الله، ولا يكترثون لما هـم مقدمون عليه، وربما لم يدركوا أنهم، مع الكتاب، يشكلون جوانب من المستقبل بكل معطياته، فالطفل هـو المستقبل.

وإذا ما تشكل الطفل على هـذه الشاكلة فإنه سيكون طفلا منـزوعا من جذوره الحقيقية وثقافته الأصيلة، فيفتقر إلى أبسط أمور التعامل مع القرآن الكريم والسنة النبوية والتاريخ الإسلامي كما هـو التعامل المنشود، ويغدو ميراث الأمة عنده طرائف وغرائب وحكايات يلجأ إليها من باب الفضول والتسلية. [ ص: 36 ]

ولعل الخطورة تتعـاظم، وتتزايد الظلمات في الأفق القريب والبعيد إذا ما نظرنا نظرة واعية ودقيقة إلى مجريات الواقع في حياتنا اليوم، فإنها في أصولها تعود إلى النمط الذي يسـعى (الآخر) إلى فرضه بعيدا عن النموذج الإسلامي المرجو، الذي تربى عليه علـماء الأمة عبر قرون طويلة، وكانت النتيجة إنجازات علمية شاء الله تعالى أن تنتصر وتنتشر لأنها اتصلت بالحق.

وحديثنا عن النمط الغريب المشوه هـو حديث عن طفل اليوم وهو يتعرف إلى الإسلام ضمن منظومة تعليمية تربوية تلزمه أن يتعامل مع موضوعات الحياة في إطار الدنيوية التي يعيشها (الآخر) ، فنرى الطفل يبتعد خطوة خطوة عن الإسلام وقيمه في كافة مناحي الحياة، في البيت والمدرسة والشارع وفي وسائل الإعلام والاتصال، وما ابتكر فيها من تقنيات تبدو مذهلة تكاد تسيطر على الإنسان وتهيمن على حياته.

إن الاتجاه العام، في البيت والمدرسة والشارع ووسائل الإعلام المتعددة، ينحو منحى النمط التغريبي الذي فرض عليه، فالطفل يعيش كثيرا مع قيم (الآخر) ولها، والكبار مفتونون بذلك النموذج الدخيل، يرون أن الأطفال لن يستطيعوا أن يحققوا النجاح في حياتهم ما لم يتبنوا ذلك النموذج، فإنه النموذج الأكثر تألقا ونجاحا وكسبا كما تظهر شاشات التلفاز صبح مساء. ولأن (الآخر) يبدو أكثر تقدما وعلما وثراء [ ص: 37 ] ورغدا، كما يظن الكبار، وجب اتباعه حتى يكون لأطفال الأمة قدم ثابتة في المستقبل.

لقد ارتضى الكبار من أبناء هـذه الأمة أن تكون تربية (الآخر) هـي ما يريدون أن ينشأ عليها أولاد الأمة، في إطار الافتتان والإعجاب (بالآخر) ، وهم لذلك يسعون بكل ما أوتوا من قوة وعزم إلى فرضها.

ولا ندهش كثيرا عندما نواجه مؤسسات ثقافية واجتماعية وصحية ذات نشاطـات متعـددة موجهة للوالدين والطفـل تتلقى دعما مباشرا من (الآخر) بحجـة التعاون ودعم مشـاريع التنمية الإنسانية والثقافية الخاصة بالأسرة، ولكن هـذا الدعم مشروط بما يريد (الآخر) لهذه الأمة وهو يشكل اختراقا عنيفا لبنيان الأمة على أمل تغيير منهج حياتها، حتى يرضى :

( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ) (البقرة :120) ،

فمن ذلك يطرح (الآخر) موضوع النسل ويحذر الأمة من خطر تفاقمه محتجا بقلة الموارد المحدودة في ديار الإسلام وفي العالم قاطبة [5] .

ويبتلع كثير من المسلمين هـذا الطعم الخبيث وهم يعيشون حال الفقر والعوز، وما عرفوا أن المشكلة لا تتمثل في قلة الموارد، كما يزعم (الآخر) ، وإنما في استثمارها وتوزيعها، وما عرفوا أن ديار الإسلام تحتوي [ ص: 38 ] من الخيرات ما يكفـي أهلها، بل وتفيض عن حاجاتـهم، ويغـيب عنهم الإيمان الحقـيقي بالله الرزاق العلـيم، وتفوتـهم قضية الأمة القوية القادرة بعددها وعدتها إن أخذت بالأسباب وأعدت القوة الحقيقية للبناء والاستخلاف.

وأطفال الأمة ليسوا بمعزولين عن هـذه المسألة ومسائل كثيرة، وقد زالت كثير من الحواجز بين الكبار والصغار، ويتلقى الأولاد الطعم كذلك وهم يسمعون (الآخر) يقول إنهم المستقبل وإن على الكبار أن يحددوا النسل حتى لا يشكل عبئا على هـذا المستقبل، وبذلك يرضون بحلول (الآخر) الجاهزة.

كذلك تعمل مؤسسات ثقافية تربوية وتعليمية في بعض أرجاء ديار الإسلام وتتلقى دعما مباشرا من (الآخر) على فرض مسألة الاختلاط، ضمن رؤيته هـو، وتزينها للأولاد عن طريق استخدام وسائل ثقافية مؤثرة مثل النشاطات التمثيلية الحية أو المتلفزة والنشرات المتعددة التي تروج لهذه المسألة وتظهرها بمظهر حضاري راق، وتكون المحصلة نزع الأولاد من جذورهم، حتى يكون المستقبل (للآخر) وليس للأمة.

ويتمثل الجانب الثالث من جوانب فرض قيم (الآخر) في التربية عن طريق المؤسسات التعليمية المختلفة المنتشرة بكثرة في أرجاء الديار، فينشأ كثير من الأولاد ويتربون وفق مفهومـات (الآخر) ومنهج حياته، وحتى [ ص: 39 ] لا يقال بأنهم بعيدون عن «تراثهم» لا بأس عليهم في أن يتعرفوا في كتبهم المدرسية إلى سور من القرآن الكريـم، وأخبار من السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي، ولكن هـذا لا يكون إلا ضمـن مواد تعليمية مكثفـة تفرض علـيهم واقع (الآخر) وتزينه لهم وتدعوهم لمعايشته فيفعـلون، وهم يرون ويسمعون ليل نـهار مزاعم عن تأخـر أمتهم الفقيرة الجاهلة التي تنتمي إلى العالم الثالث، المثخنة بالجروح، المضرجة بالدماء، جروح التاريخ الإسلامي، ماضيه وحاضره، وتكون النتيجة لصالح (الآخر) وقد أعدهم الإعداد المطلوب ليتبعوه، فيصدق فيهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا شبرا وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم.. قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن ؟ ) [6] .

وهنا نتحدث عن دفع قضاء بقضاء، وعن دور تلك الطائفة من الأمة القائمة على الحق التي تسعى جاهدة لمواجهة خطط (الآخر) ودفعها حتى يكون الأولاد أملا حقيقيا لهذه الأمة، فيدركون أن التخلف الحقيقي ليس وثيق الصلة بالتقدم المادي، كما يزعم الآخرون، وإنما هـو ناجم عن ابتعاد الأمة عن الإسلام وتطبيق قيمه على أرض الواقع، لأن الإعراض عن هـذا [ ص: 40 ] ينجم عنه الضنك الذي حـذرنا الله عز وجل منه في كتابه العزيز: ( ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ) (طه:124) ،

فالضـنك هـو القـلق والحـيرة والضـلال، والتقدم المادي مطلوب للأمة للأخـذ بأسباب الحـياة، ولكن دون أن تـتخلى عـن قيمـها، وهي مرتكزات حياتها.

إن دفع أولادنا إلى المضي وراء (الآخر) إنما يتم عن طريق أمور يرتكبها الكبار في حقهم دون أن يقدروا عواقب نتائج ما يقدمون عليه، ومن ذلك الأدب الموجه لهم، ففي حالات عديدة يتم تناول قضايا دقيقة ومهمة تتعلق بالعقيدة والسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي على وجه الخصوص، هـذا إذا لم تذكر قضايا أخرى معاصرة، في كثير منها ابتعاد عن روح الإسلام وثوابته؛ في هـذه القضايا ذات الأثر المهم في تكوينهم، تتغلغل المجازفات والأخطاء والمغالطات والمفتريات.

وإن سأل سائل عن هـذه يقال له: بأنها توجد في كتب التراث، وأن عليه أن يقرأ تلك الكتب حتى يتبين له الأمر، ويتم الدفاع المستميت عن تلك الكتب المعاصرة بين أيدي أولادنا بحجة أن ما حوت من أمور إنما هـو موجود فيما دونه المؤرخون، وأن العمل في تلك الكتب إنما كان تبسيطا له حتى يتمكن الأولاد من قراءته. [ ص: 41 ]

وإذا ما تم التسـليم بحسن النوايا فيمـا يكتب في هـذه الكتب، فإن الأخطاء الكثيرة المبثوثة فيها لا تحول دون أن يتأثر بـها الأولاد تأثرا له عواقبه الخطـيرة، ليس عليهم وحـدهم، بل على الأمة بأسرها. فإن حسـن النية لا بد أن يترافق مع الإخـلاص في العمل وإتقانه، ناهيك عن أمر التخصـص والتمكن من القضـايا التي يحيط بـها الكـاتب، فنحن في أدب الأطفـال أمام عمل يتطـلب أعلى درجات الموضوعية والعلمية.

كذلك يتطلب تقديرا واهتمامـا شـديدا لا يقل عن الأمانة العلمية، ومع هـذا وذاك يتوجب على هـذا الأدب عدم الإيغال في بيان العثرات والأخطـاء والسـقطات، بل أن تذكر ضمن شروط خاصة بالتوجه للأولاد للعـبرة ولبيان أنـها إنما كانت نتيجة للانحراف عن جادة الصواب.

إن ذكر السقطات في مسير هـذه الأمة لا يكون على منهج كثير من المستشرقين والمستغربين الذين يكيدون لهذه الأمة وثقافتها، وإنما يكون باتباع منهج علمائنا الحريصين على هـذه الأمة، الأوفياء لإسهاماتها، وهذا يعني علما وفيرا به. ألم نقل إن الكتابة في أدب الأطفال هـي علم ودراية وإتقان وإخلاص وثبات على الحق، انطلاقا من دين الحق، الذي ارتضاه الله عز وجل لعباده ؟ [ ص: 42 ] لقد وجه (الآخر) أسـلحته الفكرية لينال من هـذه الأمة، بعد أن أدرك بحـكم عمـله الدءوب المتـواصـل أن المـواجهات العسكرية لا تجـدي نفعا، ونرجو ألا يتهمنا امرؤ بعقدة «المؤامرة» التي تسيطر علينا، كمـا يقال، وأنـها سـيف قد سلطناه نحن فوق أعناقنا حتى نركن إلى ضعـفنا ونحتج بتخاذلنا وتقاعسنا عن المواجهة، وكأننا بذلك قد رضـينا بما نحن عـليه من هـوان وذل وخضوع وتخاذل، فالغزو قائم بأشكاله المتعددة، والقرآن الكريم خير شـاهد عليه حتى تقوم الساعة :

( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ) (البقرة:120) .

فالآخرون غير راضين عنا أبدا، يسعون ما وسعهم المكر لتحويلنا عن الإسلام؛ والتحويل هـذا ليس بالضرورة أن يكون ردة، والعياذ بالله، فقد يكون تشكيكا بالإسـلام ونفورا منه وتراجعا عن الالتزام بأحكامه، وأبلغ أثر لهذا التراجع نلمسـه عـند أولاد الأمة، إلا من رحـم الله، وهم يعيشـون حالة من الضـياع والتشتت وشـدة الإعجاب (بالآخر) عن طريق سلوك منهجه، وهم لا يشعرون بخطورة ما يجري في حياتهم، فالكبار قد تراخوا في مسألة التأثيرات الخارجية الخطيرة التي تخترق حياتهم وتترك أثرها الكبير على حياة الأطفال في كافة مناحي الحياة، لا سيما الفكرية منها. [ ص: 43 ] إن ثقافة أولاد الأمة، لا سيما أدبهم، تتعرض لمحاولات هـيمنة (الآخر) ، (فالآخر) يسـتخدم أكثر الأسـلحة الثقافـية تأثـيرا وقد دخلت بيت المسـلم، ووقف إزاءها مـذهولا يحاول أن يستفيق من ذهوله ليواجهها بوسائله، وقد يستسلم في نهاية الأمر لضعفه، لتصبح الأمة فريسة للتغريب.

ويؤتي هـذا التغريب أكله مع الأطفال بكافة مراحلهم العمرية؛ لأنهم الأكثر تأثرا، وهم جيل التغيير والتطلع إليه [7] ، ولكن التغيير هـنا يأخذ مسارا غير المسار الخير.

لقد قيل كثيرا عن أمر الغزو الثقافي ، والمهم إيجاد آليات لمواجهته، وهذا لا يكون بين ليلة وضحـاها، وإنما يكون عن طريق تربية شاملة تملك وسـائل التحصـين الضـرورية حتى يتأهل الأولاد للفعل الحضاري، وهو فعل يومي تترسـخ فيه اللبنات في البناء عن طريق الجهد والبذل والإيثار والإخلاص وإتقان العمل وتحصيل العلم النافع ضمن ثوابت الإسلام.

ومن آليات التربية النافعة، بمعناها الصحيح والشامل، أدب الأطفال .. فهذا من شأنه أن يؤدب الطفل وينشئه النشأة الطيبة المرجوة إن استخدم [ ص: 44 ] استخداما خيرا، ولا نتطرق في هـذه الدراسة إلى الشكل في هـذا الأدب على اعتبار أنه الوعاء الذي يحضن الفكر، ومن دون الشكل يتحول الأدب إلى خطب وعظية تثقل على المتلقي لا سيما عندما يتوجه إلى قلوب وعقول غضة تتطلب أمورا غاية في الفطنة والجمال حتى تصل إليها. إننا لا نتناول في هـذا المقام الشكل رغم أهميته وهو يتلاحم تلاحما عضويا مع الفكر، بل نتناول أمر المضمون في الأدب، من باب تبسيط المسألة ليس أكثر.

الأدب في أفضل صوره يرتقي بالإنسان ويسهم إسهاما كبيرا في تربيته، فلا عجب أن يسمى أدبا وهو يأدب الناس إلى المحامد وينهاهم عن المقابح، وغايته في إطار تربية أولاد الأمة دعوتهم إلى الفضائل ومحاسن الأخلاق والأعمال الصالحة، وتنبيههم إلى تجنب الشر بكافة أنواعه، ومجاهدة النفس للابتعاد عن المعاصي.

ويتعاظم دور الأدب عندما يتعلق الأمر بقصص القرآن ومنها قصص الأنبياء والرسل عليهم السلام، وعندما يتناول السيرة النبوية والتاريخ الإسـلامي. وهنا قضية لابد أن تثار، فإن كثيرا مما يدون في كتب الأطفـال عن هـذه الموضـوعات إنما يصب في مجرى ما يكتبه (الآخر) وما اهتم به الاستشراق الذي عمل طوال عقود عديدة على دخول حصون [ ص: 45 ] الأمة الفكرية لتصبح الساحة الفكرية ميدان المعركة بينه وبين الإسلام [8] . وإذا ما أدركنا حقـيقة الاسـتشراق عرفنا الخطر الداهم الذي يحيق بالأمـة، فهو كان ولا يزال يشكل الجذور الحقيقية التي تقدم المدد للتنصير والاسـتعمار والعمـالة الثقافية ويغذي عملية الصراع الفكري ، إنه المصنع الفكري الذي يزود (الآخر) بالمدد لاختراق بنيان الأمة والعمل على تحطيمه [9] .

لقد أمد إنتاج الاستشراق هـذا بعض أبناء الأمة بالزاد وهم يظنون أنه الزاد الملائم والمناسب للأمة، مدفوعين بذلك بفتنتهم (بالآخر) وما يقدمه في مجال تراث الأمة، واستمر عمل أولئك الأبناء عقودا أيضا وهم يتغذون فكريا من موائد الاستشراق حبا لهذا الوافد الفكري الذي اعتبروه عظيم الشأن لأنه قد كشف لهم عن كنوز أجدادهم، وتغافلوا عن حقيقته، وتجاهلوا أمره وقد زين لهم أنه يريد أن يوقظهم من غفلتهم ومن رقادهم الفكري. وكانت النتيجة تصويب السهام القاتلة إلى كثير من جوانب هـذا الميراث، وبذلك تحقق للاستشراق هـدفه الرئيس وهو التشكيك به وازدراؤه؛ لأنه على حد زعمهم فاسد باطل يقوم على كل ما يمكن للنفس البشرية أن تفكر فيه من شر. [ ص: 46 ]

وبقيت كتب أبناء الأمة التي تعتمد أساسا على مناهج الاستشراق الفاسدة في معظمها منارات لمن أتى بعدهم من الأجيال، ومنهم من يكتبون في أدب الأطفال، وقد لجأ هـؤلاء إلى تلك الكتب «المراجع» يقرأونها ويدونون منها ما شـاء لـهم، دون نظرة نقدية واعية موضوعية لما تضم من مفهومات ومغالطات بمنأى عن كتاب الله وسنة نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام، ولم يدركوا خطورة ما أقدموا عليه في توجههم لأولاد الأمة، أي مستقبلها.

ومحصـلة هـذا أن ما يدون في كتب الأطفال من تلك الموضوعات إنـما يصب في مجرى الغزو الثقـافي الذي تـتعرض له الأمـة من الخارج والداخـل. وهنا مسـألة تذكر؛ وهي أن طفـل اليوم يعيش واقعا أكثر انفـتاحا مما كان يعيش طـفل الأمس، فإن طفل اليوم يتعرض لحشـد هـائل من المعـارف والأفكار والقيم من خلال ما يرى ويسـمع عـبر الفضـائيات التلفازية التي تبث نـهارا وليلا وعبر شبكة المعلومات الدولية وغير ذلك، ولا سبيل إلى منع ذلك أو ضبطه في إطار التربية المرجوة بسبب تقصير كبير من البيت والمدرسة والشارع، وهذا مؤشر من مؤشرات ضياع الأمة وعدم قدرتها على ضبط الأمور في كافة مناحي حياتها بما يرضي الله. [ ص: 47 ]

أولاد الأمة معرضون إذا للاحتواء ضمن ثقافة (الآخر) من جهة، والانسلاخ عن قيم أمتهم من جهة أخرى، فليس أمامهم متسع ليتعرفوا إلى ثقافتهم الأصيلة، وثقافة (الآخر) تضخ في كل دقيقة من دقائق اليوم مفهومات مخالفة لما يجب أن ينشـأوا عليه، وليس أمامهم أسوة يقتدون بها، والبيت يعمل ولكن بقـدر قليل إن كان يمـتلك مقومـات التوجه والتربية الصحيحة، والمدرسـة مقصـرة، والشارع تائه، وأدوات الإعلام والإعلان تعصف بـهم ذات اليمين وذات الشمال، وهم في حيرة وقلق وضياع واضطراب وتردد، ولكن المحصلة واضحة للعيان: أولاد دون هـوية أمتهم.

وبدل أن يسـهم أدب الأطفـال في تـثبيتهم وإبعـاد أعاصير الفـتن والغزوات الفـكرية، بدل هـذا يقـدم على زيادة احتواء الثقافة الدخـيلة لـهم، وتطويقـها لأفـكارهم، ويغرس في نفـوسهم وعقولهم وقلوبهم الارتداد عن الإسلام، وينـزع من صدورهم خيرا كثيرا فطرهم الله عليه، وتبدأ ثورتـهم وتمردهم وانسلاخهم عن قيمهم وهم يرون أولاد (الآخر) يسـلكون السـلوك ذاته في ديارهم، إذ ينفـلتون عن مجتمعهم في إطـار ما يسمونه بالحريات وحقوق الطفل والديمقراطية وغيرها من المسميات، التي بدأت جذورها تمتد في أرضنا وتضرب في أعماقها. [ ص: 48 ]

أدب الأطفال، كما سنرى بعون الله، يسير وفق خطط (الآخر) في مسارات عدة، بدل أن تكون له هـويته النابعة من قيم الإسلام فيؤدي دوره في تغيير هـذا الواقع الذي تعيشه الأمة كبيرها وصغيرها، ولا يظن المرء أن الأمر سيكون سهلا، فإن الأدب المرجو يتطلب كتابا على مستوى جيد من العلم والعمل: العلم بما يجب أن يقوموا به، والعمل على أن يصل هـذا إلى الأولاد، وهذا لا يتأتى إلا من أبناء الأمة أنفسهم، فكيف تنجب الأمة أولادا أصحاء وهي ضعيفة ؟ الأمر ليس سهلا، ولكن تحقيقه يتطلب عزمات.

أدب الأطفال فعل تربوي نسعى إليه، يتوجب أن يعد طفلا محصنا بقيم الكتاب والسنة، قادرا على أن ينـزل هـذه القيم على أرض الواقع قولا وعملا، وقادرا على أن يواجه العالم ويحاوره وعنده الأسس لذلك، فالإسلام لم يترك صغيرة ولا كبيرة إلا وقد أولاها رعاية واهتماما، كيف لا وهو منهج حياة متكامل يستطيع أن يتعامل مع غير المسلمين ويعيش معهم ويجادلهم بالتي هـي أحسن.

هذا الأدب عمل تربوي علمي يهيىء الطفل ليقف بحزم وقوة حتى يكمل البناء ويرص الصفوف ويواصل ما بناه الأجداد الصالحون بعزم وصبر وجلد وعلم، لا يتردد في الأخذ من (الآخر) ما يجده معينا له على حياته في الدنيا، ولكنه يحافظ على قيمه نقية طاهرة لا يمسها سوء. ولا بد [ ص: 49 ] والحال هـذه أن يثير (الآخر) ، فيقف ويتساءل وهو يرى أمامه إنسانا قويا غير متخلف يستطيع أن يستوعب معطيات العالم المادية والفكرية، فيستفيد منها بما هـو في حاجة إليه دون أن يفقد هـويته وهو قادر على الحركة إلى الأمـام بثوابت الإسـلام، فالإسـلام لا يقيده ولا يكبله وإنما يرشده لفعل الخير، الذي هـو في النهاية البناء الحضاري، إنه يحمل أمانة، وعليه أن يؤديها.

يتعاون الأدب مع توجيه البيت وتربية المدرسة، وهذه أمور مرجوة ومنشودة، ليس بالأماني وحدها وإنما بالعمل الدءوب، لإيجاد هـذا الجيل من أولاد الأمة الذي يتمكن من مواجهة الحياة بكل ما تحمل من معطيات، سواء أكانت إيجابية أم سلبية، فهو أدب فاعل يوقظ الهمم من رقادها ويطلق القوى الكامنة من قمقمها حتى يتحول فعل الأمة إلى البناء لها ولغيرها، مع الأخذ بالأسباب كلها لتحقيق هـذا الفعل. [ ص: 50 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث