الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 255 ] فصل

إذا أصاب النخل عطش ، ولو تركت الثمار عليها إلى أوان الجداد لأضرت بها - جاز قطع ما يندفع به الضرر ، إما كلها وإما بعضها . وهل يستقل المالك بقطعها ، أم يحتاج إلى استئذان الإمام أو الساعي ؟ قال الصيدلاني وصاحب التهذيب وطائفة : يستحب الاستئذان . وقال آخرون : ليس له الاستقلال ، فإن استقل عزر إن كان عالما .

قلت : هذا أصح ، وبه قطع العراقيون والسرخسي . والله أعلم .

فأما إذا علم الساعي قبل القطع ، وأراد القسمة بأن يخرص الثمار ويعين حق المساكين في نخلة أو نخلات بأعيانها - فقولان منصوصان . قال الأصحاب : هما بناء على أن القسمة بيع أو إفراز حق . فإن قلنا : إفراز ، جاز ، ثم للساعي أن يبيع نصيب المساكين للمالك أو غيره ، وأن يقطع ويفرقه بينهم ، يفعل ما فيه الحظ لهم ، وإن قلنا : إنها بيع ، لم يجز ، وعلى هذا الخلاف تخرج القسمة بعد قطعها . إن قلنا : إفراز - جازت ، وإلا ، ففي جوازها خلاف مبني على جواز بيع الرطب الذي لا يتتمر بمثله . فإن جوزناه ، جازت القسمة بالكيل ، وإلا فوجهان . أحدهما : تجوز مقاسمة الساعي ؛ لأنها ليست بمعاوضة ، فلا يراعى فيها تعبدات الربا ، ولأن الحاجة داعية إليها ، وأصحهما عند الأكثرين : لا تجوز . فعلى هذا له في الأخذ مسلكان أحدهما : يأخذ قيمة عشر الرطب المقطوع ، وجوز بعضهم القيمة للضرورة كما قدمناه في شقص الحيوان ، والثاني : يسلم عشرا مشاعا إلى الساعي ، ليتعين حق المساكين ، وطريق تسليم العشر تسليم الجميع . فإذا سلمه ، فللساعي بيع نصيب المساكين للمالك أو غيره ، أو يبيع هو والمالك ويقسمان الثمن ، وهذا المسلك جائز بلا خلاف ، وهو متعين عند من لم يجوز القسمة ، وأخذ القيمة .

[ ص: 256 ] وخير بعض الأصحاب الساعي بين القسمة وأخذ القيمة ، وقال كل واحد منهما خلاف القاعدة ، واحتمل للحاجة ، فيفعل ما فيه الحظ للمساكين . ثم ما ذكرناه هنا من الخلاف ، والتفصيل في إخراج الواجب ، يجري بعينه في إخراج الواجب عن الرطب الذي لا يتتمر والعنب الذي لا يتزبب . وفي المسألتين مستدرك حسن لإمام الحرمين . قال : إنما يثور الإشكال على قولنا : المساكين شركاء في النصاب بقدر الزكاة ، وحينئذ ينتظم التخريج على القولين في القسمة . فأما إذا لم نجعلهم شركاء ، فليس تسليم جزء إلى الساعي قسمة حتى يأتي فيه القولان في القسمة ، بل هو توفية حق إلى مستحق .

قلت : لو اختلف الساعي والمالك في جنس التمر بعد تلفه تلفا مضمنا ، فالقول قول المالك . فإن أقام الساعي شاهدين أو شاهدا وامرأتين ، قضي له ، وإن أقام شاهدا فلا ؛ لأنه لا يحلف معه ، قاله الدارمي . وإذا خرص عليه ، فتلف بعضه تلفا يسقط الزكاة ، وأكل بعضه وبقي بعضه ، ولم يعرف الساعي ما تلف ، فإن عرف المالك ما أكل ، زكاه مع ما بقي ، فإن اتهمه ، حلفه استحبابا على الأصح ، ووجوبا على الآخر ، وإن قال : لا أعرف قدر ما أكلته ولا ما تلف . قال الدارمي : قلنا له : إن ذكرت قدرا ألزمناك بما أقررت به ، فإن اتهمناك حلفناك ، وإن ذكرت مجملا ، أخذنا الزكاة بخرصنا . قال أصحابنا : ولو خرص ، فأقر المالك بأنه زاد على المخروص ، أخذنا الزكاة من الزيادة ، سواء كان ضمن أم لا . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث