الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


1536 [ ص: 318 ] ( 7 ) باب عتق المكاتب إذا أدى ما عليه قبل محله

1510 - مالك ; أنه سمع ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، وغيره ، يذكرون أن مكاتبا كان للفرافصة بن عمير الحنفي ، وأنه عرض عليه أن يدفع إليه جميع ما عليه من كتابته ، فأبى الفرافصة ، فأتى المكاتب مروان بن الحكم ، وهو أمير المدينة ، فذكر ذلك له فدعا مروان الفرافصة ، فقال له ذلك ، فأبى فأمر مروان بذلك المال أن يقبض من المكاتب ، فيوضع في بيت المال ، وقال للمكاتب : اذهب فقد عتقت ، فلما رأى ذلك الفرافصة ، قبض المال .

قال مالك : فالأمر عندنا ، أن المكاتب إذا أدى جميع ما عليه من نجومه قبل محلها ، جاز ذلك له ، ولم يكن لسيده أن يأبى ذلك عليه ، وذلك أن يضع عن المكاتب بذلك كل شرط ، أو خدمة أو سفر ; لأنه لا تتم عتاقة رجل وعليه بقية من رق ولا تتم حرمته ، ولا تجوز شهادته ، ولا يجب ميراثه ، ولا أشباه هذا من أمره ، ولا ينبغي لسيده أن يشترط عليه خدمة بعد عتاقته .

قال مالك : في مكاتب مرض مرضا شديدا ، فأراد أن يدفع نجومه كلها إلى سيده ، لأن يرثه ورثة له أحرار ، وليس معه في كتابته ولد له .

[ ص: 319 ] قال مالك : ذلك جائز له ; لأنه تتم بذلك حرمته ، وتجوز شهادته ، ويجوز اعترافه بما عليه من ديون الناس ، وتجوز وصيته ، وليس لسيده أن يأبى ذلك عليه ، بأن يقول : فر مني بماله .

التالي السابق


34746 - قال أبو عمر : أما قضاء مروان على الفرافصة بن عمير ; فقد روي ذلك عن عمر بن الخطاب ، وعثمان بن عفان - رضي الله عنهما - ، وأظن مروان بلغه ذلك ، فقضى به ، وكذلك قضى عمرو بن سعيد في إمارته .

34747 - ذكر عبد الرزاق ، قال : أخبرنا إسرائيل بن يونس ، قال : أخبرنا عبد العزيز بن رفيع ، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، قال : كاتب رجل غلاما له على أواق سماها ، ونجمها عليه نجوما ، فأتاه العبد بماله كله ، فأبى أن يقبله إلا على نجومه ; رجاء أن يرثه ، فأتى عمر بن الخطاب فأخبره ، فأرسل إلى سيده فأبى أن يأخذها ، فقال عمر : خذها فاطرحها في بيت المال ، وأعطه نجومه ، وقال للعبد : اذهب فقد عتقت ، فلما رأى ذلك سيد العبد ، قبل المال .

34748 - قال : وأخبرنا معمر ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، قال : كاتب عبد على أربعة آلاف ، أو خمسة آلاف ، فجاء بها إلى سيده ، فقال : خذها جميعا وخلني ، فأبى سيده إلا أن يأخذها في كل سنة نجما ; رجاء أن يرثه ، فأتى عثمان بن عفان فذكر ذلك له ، فدعاه عثمان ، فعرض عليه أن يقبلها من العبد ، فأبى ، فقال [ ص: 320 ] للعبد : ائتني بما عليك ، فأتاه به ، فجعله في بيت المال ، وكتب له عتقا ، وقال للمولى : ائتني كل سنة ، فخذ نجما ، فلما رأى ذلك ، أخذ ماله وكتب عتقه .

34749 - قال : وأخبرنا ابن جريج ، قال : أخبرني عطاء ، أن مكاتبا عرض على سيده بقية كتابته ، فأبى سيده ، فقال له عمرو بن سعيد ، وهو أمير مكة : هلم ما بقي عليك فضعه في بيت المال ، وأنت حر ، وخذ أنت نجومك في كل عام ، فلما رأى ذلك سيده أخذ ماله .

34750 - قال : وأخبرنا ابن جريج ، قال : أخبرني ابن مسافع ، عن مروان ، أنه قضى بمثل هذه القضية في وردان .

34751 - قال أبو عمر : على هذا مضى القضاء عند جمهور الفقهاء بالحجاز ، والشام ، والعراق .

34752 - وبه قال أحمد ، وإسحاق .

34753 - وذكر المزني ، عن الشافعي : ويجبر السيد على قبول النجم إذا عجله له المكاتب .

34754 - واحتج في ذلك بعمر بن الخطاب .

[ ص: 321 ] 34755 - قال الشافعي : إذا كانت دنانير ، أو دراهم ، أو مالا يتغير على طول العهد الحديد ، والنحاس ، وما أشبهه ، وأما ما يتغير على المكث ، أو كانت لحمولته مؤنة فليس عليه قبوله إلا في موضعه .

34756 - قال : فإن كان في طريق حرابة ، أو في بلد فيه نهب لم يلزمه قبوله إلا أن يكون في ذلك الموضع كاتبه فيلزمه قبوله .

34757 - قال أبو عمر : وجه قول مالك : على سيد المكاتب قبول الكتابة منه مريضا كان المكاتب أو صحيحا ; لأن المكاتبة عقد عتق على صفة ، وهي الأداء ، فإذا أداها لزم السيد قبولها ، فإن امتنع من ذلك أجبر عليه ; لأنه حق للمكاتب ، ومعلوم أن التأخير إنما كان رفقا بالمكاتب لا بالسيد ، فإذا رضي المكاتب بتعجيل الكتابة لم يكن لامتناع السيد من ذلك وجه إلا الإضرار ، فوجب أن يمنع منه ، ويجبر على القبول للمال ; لما فيه من الخير لهما جميعا ، وبالله التوفيق .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث