الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب البيوع المنهي عنها وما يتبعها

جزء التالي صفحة
السابق

( باب ) بالتنوين في البيوع المنهي عنها وما يتبعها

ثم النهي قسمان : أحدهما ما يقتضي الفساد والحرمة ; لأن تعاطي العقد الفاسد : أي مع العلم بفساده أو مع التقصير في تعلمه لكونه مما لا يخفى ، وهو مخالط للمسلمين بحيث يبعد جهله بذلك [ ص: 446 ] حرام أيضا سواء ما فساده بالنص أو الاجتهاد ، والمراد به ما حصل بسبب مفسدة نشأت من اختلال أحد أركان العقد كالنهي عن بيع مال الغير بغير إذنه وبيع الخمر والكلب والخنزير والملامسة والمنابذة فإن منشأ المفسدة الداعية إلى النهي عنه في الأول إنما هو أمور راجعة إلى العاقد وفي الثاني إلى المعقود عليه ، وفي الثالث إلى الصيغة وقيد ذلك الغزالي واعتمده الزركشي بما إذا قصد به تحقيق المعنى الشرعي دون إجراء اللفظ من غير تحقيق معناه فإنه باطل ، ثم إن كان له محمل كملاعبة الزوجة بنحو بعتك نفسك لم يحرم وإلا حرم إذ لا محمل له غير المعنى الشرعي ، وقد يجوز لاضطرار تعاطيه كأن امتنع ذو طعام من بيعه منه إلا بأكثر من قيمته فله الاحتيال بأخذه منه ببيع فاسد حتى لا يلزمه إلا المثل أو القيمة وثانيهما ما كان النهي عنه بسبب عارض لهذه الحقيقة خارج عنه فلا يوجب الفساد كالبيع وقت [ ص: 447 ] النداء .

وقد أشار إلى أشياء من الأول فقال ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عسب ) بفتح فسكون للمهملتين وبالباء الموحدة ( الفحل ) رواه الشيخان ( وهو ضرابه ) بكسر الضاد : أي طروقه للأنثى وهذا هو الأشهر ومن ثم حكى مقابليه بيقال ( ويقال ماؤه ) وكل من هذين لا يتعلق به نهي ، فالتقدير عن بدل عسب من أجرة ضرابه وثمن مائه : أي إعطاء ذلك وأخذه وإلا فالعسب لا يتعلق به النهي ; لأنه ليس من أفعال المكلفين ( ويقال أجرة ضرابه ) والفرق بين هذا والأول أن الأجرة ثم مقدرة مع عمومه وهنا ظاهرة وهذه حكمة اقتصار الشارح على ذكر التقدير في الأولين مع أنه جار في الثلاثة مع أن الأولين فيهما تقديران وفي الثالث واحد ( فيحرم ثمن مائه ) ويبطل بيعه ; لأنه غير متقوم ولا مقدور على تسليمه ولا معلوم ( وكذا ) تحرم ( أجرته ) للضراب ( في الأصح ) ; لأن [ ص: 448 ] فعل الضراب غير مقدور عليه للمالك .

والثاني يجوز كالاستئجار لتلقيح النخل ، وفرق الأول بأن الإيجار لتلقيح النخل في المستأجر عليه هو فعل الأجير الذي هو قادر عليه ، ويجوز الإهداء لصاحب الفحل وتستحب إعارته للضراب .

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

( باب ) في البيوع المنهي عنها .

( قوله : وما يتبعها ) منه تلقي الركبان والنجش ( قوله : ثم النهي ) أي من حيث هو لا بقيد كونه في هذا الباب ( قوله : ; لأن تعاطي العقد ) علة للحرمة ، وقضيته أن التحريم إنما نشأ من فساد العقد فليس هو مقتضى النهي ، والأولى أن يقال : النهي يقتضي التحريم مطلقا سواء رجع لذات العقد أو لازمه أو معنى خارج أو كان المنهي عنه غير عقد ويقتضي الفساد إن رجع لذات العقد أو لازمه ، ويحرم من حيث تعاطي العقد الفاسد كما أنه يحرم لكونه منهيا عنه ( قوله : أو مع التقصير ) قضيته أنه مع التقصير يأثم بتعاطي العقد كما يأثم بترك التعلم ، فليس الإثم بالتقصير دون تعاطي العقد ولعل هذا هو مراد حج بقوله حرام على المنقول المعتمد : يعني أن المراد أن تعاطي العقد الفاسد مع الجهل بفساده حرام حيث قصر في التعلم فليست الحرمة مخصوصة بالتقصير ( قوله : بحيث يبعد جهله بذلك ) [ ص: 446 ] يؤخذ من ذلك أن ما يقع كثيرا في قرى مصرنا من بيع الدواب ويؤجل الثمن إلى أن يؤخذ من أولاد الدابة المسمى ببيع المقاومة لا إثم على فاعله ; لأن هذا يخفى فيعذر فيه ( قوله : حرام أيضا ) أي كالذي علم بفساده ( قوله : والمراد به ) أي بما يقتضي الفساد والحرمة ( قوله : نشأت من اختلال أحد أركان العقد ) أي أو شروطه كما هو واضح كالجهل بمدة الخيار أو الأجل وسواء كانت المفسدة سببها فقد الركن من أصله كالصيغة أو فقده أو فقد ما يعتبر في الركن كالعجز عن التسليم .

( قوله : في الأول ) هو قوله كالنهي عن بيع مال الغير والثاني بيع الخمر والثالث الملامسة ( قوله : إنما هو أمور ) لعله أراد الأمور ما فوق الواحد إذ سبب المفسدة عدم الملك والقدرة على التسليم فكان الأولى أن يقول أمران ( قوله : وقيد ذلك ) أي كون العقد الفاسد حراما ( قوله : من غير تحقيق ) أي بأن أطلق أو قصد غير المعنى الشرعي ( قوله : محمل ) أي عرفا ( قوله : إذ لا محمل له ) هو واضح عند الإطلاق كما هو ظاهر ، أما لو قصد غير المعنى الشرعي ففيه نظر ، وينبغي عدم الحرمة ( قوله : وقد يجوز ) أي العقد الفاسد ( قوله : كأن امتنع ذو طعام ) أي أو ذو دابة من إيجارها ( قوله : فله الاحتيال ) أي فلو لم يفعل ذلك بل اشتراه بما سماه البائع لزمه المسمى واضطراره لا يجعله مكرها على العقد بما ذكر ( قوله : أو القيمة ) قضية التعبير بالقيمة أنه لا يلزمه أقصى القيم ، وقد يوجه بأن جواز ذلك له أخرجه عن نظائره من العقود الفاسدة ، ويحتمل أن المراد بالقيمة أقصى القيم ولكن الأول هو الظاهر ولا فرق في ذلك بين أن يتلف حالا أو بعد مدة لإذن الشارع له في ذلك ( قوله : خارج عنه ) أي بأن لا يكون بفقد ركن ولا شرط وعبارة سم على حج بأن لا يكون لذاته ولا اللازمة بقرينة ما تقدم ( قوله : فلا يوجب الفساد ) أي [ ص: 447 ] ولكنه حرام .

( قوله : عن عسب الفحل ) قال سم على منهج : قد ورد التصريح بالنهي عن ثمنه في رواية الشافعي في المختصر كذا بهامش المحلي لشيخنا ا هـ أي فيكون الحمل أولى : أي ; لأنه لا يحتاج لتقدير مضاف وقد يجاب عن المصنف بأنه اختار ما ذكره لشموله للأنواع الثلاثة المذكورة في معنى العسب ( قوله : رواه الشيخان ) عبارة المنهج : رواه البخاري ومثله في الخطيب ، وعبارة حج كعبارة الشارح ، ولعل من اقتصر على الرواية عن البخاري أن روايته هكذا نهى رسول الله عن عسب الفحل ، بخلاف من روى عنهما فإنه نظر إلى أنه ورد في مسلم نهى عن بيع عسب الفحل فكان مساويا للنهي عن عسب الفحل ، أو أن البخاري رواه عن ابن عمر ومسلما عن غيره ، فمن رواه عنهما نظر لاتفاقهما على روايته ومن خصه بالبخاري نظر إلى روايته عن ابن عمر ( قوله بكسر الضاد ) قال في المصباح : ضرب الفحل الناقة ضرابا بالكسر نزا عليها ا هـ وهو ظاهر في أن الضراب مصدر ضرب وعليه فهو مصدر سماعي ، وإلا فالضراب وزان فعال بالكسر وهو مصدر لفاعل ، فقياسه أن يكون مصدرا لضارب لا لضرب ( قوله : إعطاء ذلك ) أي والعقد المقتضي لذلك أيضا ا هـ سم على حج ( قوله : ويقال أجرة ضرابه ) أسقطه الشيخ من شرح منهجه ، ولعل سبب ذلك رجوعه في المعنى إلى الأول ; لأن معناه أجرة ضرابه ( قوله : والأول ) هو قوله وهو ضرابه ( قوله : مع عمومه ) أي المقدر بمعنى احتماله لغير الأجرة ( قوله : وهذه ) أي الحكمة المشار إليها بقوله والفرق إلخ حكمة إلخ .

( قوله : ; لأنه غير متقوم ) أي لا قيمة له شرعا وليس المراد به ما قابل المثلي ( قوله وكذا تحرم أجرته ) أي إيجاره وهل يستحق أجرة المثل كما في الإجارات الفاسدة ا هـ سم على حج : أي أولا ; لأن طروقه للأنثى لا مثل له يقابل بأجرة فيه نظر ، ولا يبعد الأول ، وعليه فالمراد أجرة مثله لو استعمل فيما يقابل بأجرة كالحرث مدة وضع يده عليه للانتفاع المذكور ، ويحتمل الثاني ; لأن هذا الفعل نفسه مما لا يقابل بأجرة والأول أقرب ، ومحل حرمة الاستئجار حيث استأجره للضراب قصدا فلو استأجره لينتفع به ما شاء جاز أن يستعمله في الإنزاء تبعا لاستحقاقه المنفعة ، بخلاف ما لو استأجره للحرث أو نحوه فلا يجوز استعماله في الإنزاء ; لأنه إنما أذن [ ص: 448 ] له في استعماله فيما سماه له من حرث أو غيره ( قوله : وفرق الأول ) وعلم مما تقرر أن صورة المسألة أن يستأجره للضراب ، فإن استأجره على أن ينزي فحله على أنثى أو إناث صح ، قاله القاضي ; لأن فعله مباح وعمله مضبوط عادة ، ويتعين الفحل المعين في العقد لاختلاف الغرض به ، فإن تلف : أي أو تعذر إنزاؤه بطلت الإجارة ا هـ سم على حج : أي عن شرح العباب لحج ، وقال سم على حج بعد ما ذكر وقد يستشكل هذا مع تفسيره الضراب بالطروق ، ويقال لم تظهر مغايرته للإنزاء المذكور ، ولا إشكال ; لأن الطروق فعل الفحل ، بخلاف الإنزاء فإنه فعل صاحب الفحل فليتأمل ا هـ .

لكن قد يرد عليه أن الإنزاء وإن كان من فعل صاحب الفحل إلا أن نزوان الفحل باختياره وصاحبه عاجز عن تسليمه ، وقد يجاب بأن الإجارة واقعة على فعل المكلف الذي هو الإنزاء ، والمراد منه محاولة صعود الفحل على الأنثى على ما جرت به العادة ، وفعل الفحل وإن كان هو المقصود لكنه ليس معقودا عليه فيستحق الأجرة إذا حصل الطروق بالفعل ، فلو لم يحصل لم يستحق أجرة فراجعه ( قوله : ويجوز الإهداء لصاحب الفحل ) بل لو قيل يندب لم يبعد ا هـ حج . وعبارة سم على منهج قال مر : ويستحب هذا الإعطاء ا هـ . وظاهره سواء كان ذلك قبل إعطاء الفحل أو بعده ( قوله : وتستحب إعارته للضراب ) ومحل ذلك حيث لم يتعين وإلا وجب ، وكان الامتناع منها كبيرة حيث لا ضرورة عليه في ذلك ، ولا فرق في حرمة الامتناع حيث تعين الفحل بين امتناعه من إعارته لعامة الناس أو بعضهم ، وتجب الإعارة مجانا ، ويفرق بينه وبين المصحف حيث لا تجب إعارته مجانا وإن تعين لقراءة الفاتحة بأن لم يكن في البلد غيره بأن المصحف له بدل بأن يلقنه غيبا بخلاف هذا وبأن المصحف تمكن إجارته بخلاف الفحل ، وينبغي وجوب اتخاذ الفحل على أهل البلد حيث تعين لبقاء نسل دوابهم على الكفاية حيث لم يتيسر لهم استعارته مما يقرب من بلدتهم عرفا .



حاشية المغربي

[ ص: 445 ] ( باب ) في البيوع المنهي عنها [ ص: 446 ] قوله : والمراد به ما حصل بسبب مفسدة نشأت من أحد أركان العقد ) صادق بأن تكون المفسدة بسبب انتفاء ذات الركن أو انتفاء شرط من شروطه ، وهذا مراده بدليل أمثلته الآتية ، فهو مساو لقول الشهاب حج ثم النهي إن كان لذات العقد أو لازمه بأن فقد بعض أركانه أو شروطه اقتضى بطلانه وحرمته إلخ ، فعلم أنه لا حاجة إلى زيادة أو شروطه بعد قول الشارح من أحد أركان العقد خلافا لما في حاشية الشيخ ( قوله : إنما هو أمور راجعة إلى العاقد ) أي كعدم الملك وعدم الولاية وعدم القدرة على التسليم شرعا ، فالجمعية على بابها خلافا لما في حاشية الشيخ ( قوله : وقيد ذلك الغزالي ) يعني الحرمة ( قوله : أو القيمة ) بحث الشيخ في الحاشية أن المراد قيمة يوم التلف لا أقصى القيم ، وإن كان المقبوض بالشراء الفاسد كالمغصوب كما يأتي وهو وجيه ويصرح به ما يأتي في تعليل ضمان المقبوض بالشراء الفاسد ضمان المغصوب من أنه مطالب برده في كل وقت إذ هذا منفي هنا كما لا يخفى ( قوله : وثانيهما ما كان النهي عنه بسبب عارض ) هذا قسيم قوله أحدهما ما يقتضي الفساد والحرمة الذي المراد به ما حصل بسبب مفسدة نشأت من أحد أركان العقد المساوي لقول غيره إن كان لذات أو لازمه فالمقابلة معنوية لا لفظية [ ص: 447 ] قوله : مع أنه جار في الثلاثة ) اعلم أن الذي قدره الشارح الجلال في الأولين هو لفظ بدل من أجرة أو ثمن وهو لا يجري في الثالث إذ البدل فيه مذكور ، والجاري في الثلاثة إنما هو المضاف الثاني وهو الأخذ أو العطاء ، وقد قدره الشارح الجلال بعد أيضا وعبارته : وعلى الأولين يقدر في الحديث مضاف ليصح النهي : أي نهي عن بدل عسب الفحل من أجرة ضرابه أو ثمن مائه : أي بذل ذلك وأخذه انتهت ، فقوله أي بدل ذلك وأخذه هو المضاف الثاني وهو راجع للثلاثة ( قوله : مع أن الأولين فيهما تقديران ) لا موقع للتعبير بالمعية هنا



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث