الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب

كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار .

جرى أكثر المفسرين على أن هذه الجمل حكاية لبقية كلام المؤمن وبعضهم جعل بعضها من حكاية كلام المؤمن وبعضها كلاما من الله تعالى ، وذلك من تجويز أن يكون قوله الذين يجادلون إلخ بدلا أو مبتدأ ، وسكت بعضهم عن ذلك مقتصرا على بيان المعنى دون تصد لبيان اتصالها بما قبلها .

والذي يظهر أن قوله كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب إلى قوله ( جبار ) كله من كلام الله تعالى معترض بين كلام المؤمن وكلام فرعون فإن هذا من المعاني الإسلامية قصد منه العبرة بحال المكذبين بموسى تعريضا بمشركي قريش ، أي كضلال قوم فرعون يضل الله من هو مسرف مرتاب أمثالكم ، فكذلك يكون جزاؤكم ، ويؤيد هذا الوجه قوله في آخرها وعند الذين آمنوا فإن مؤمن آل فرعون لم يكن معه مؤمن بموسى وهارون غيره ، وهذا من باب تذكر الشيء بضده . ومم يزيد يقينا بهذا أن وصف الذين يجادلون في آيات الله تكرر أربع مرات من أول السورة ، ثم كان هنا وسطا في قوله إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه ، ثم كان خاتمة في قوله ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون .

[ ص: 142 ] والإشارة في قوله ( كذلك ) إلى الضلال المأخوذ من قوله ( يضل الله ) أي مثل ذلك الضلال يضل الله المسرفين المرتابين ، أي أن ضلال المشركين في تكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم مثل ضلال قوم فرعون في تكذيبهم موسى عليه السلام .

والخطاب بالكاف المقترنة باسم الإشارة خطاب للمسلمين .

والمسرف : المفرط في فعل لا خير فيه . والمرتاب : شديد الريب ، أي الشك .

وإسناد الإضلال إلى الله كإسناد نفي الهداية إليه في قوله إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب ، وتقدم آنفا .

وقوله الذين يجادلون في آيات الله يجوز أن يكون مبتدأ خبره كبر مقتا ويجوز أن يكون بدلا من ( من ) في قوله من هو مسرف مرتاب فبين أن ماصدق ( من ) جماعة لا واحد ، فروعي في من هو مسرف مرتاب لفظ ( من ) فأخبر عنه بالإفراد وروعي في البدل معنى ( من ) فأبدل منه موصول الجمع . وصلة ( الذين ) عرف بها المشركين قال تعالى إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا وقال في هذه السورة ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد .

واختيار المضارع في ( يجادلون ) لإفادة تجدد مجادلتهم وتكررها وأنهم لا ينفكون عنها . وهذا صريح في ذمهم وكناية عن ذم جدالهم الذي أوجب ضلالهم .

وفي الموصولية إيماء إلى علة إضلالهم ، أي سبب خلق الضلال في قلوبهم الإسراف بالباطل وتكرر مجادلتهم قصدا للباطل .

والمجادلة تكرير الاحتجاج لإثبات مطلوب المجادل وإبطال مطلوب من يخالفه قال تعالى وجادلهم بالتي هي أحسن ، فمن المجادلة في آيات الله المحاجة لإبطال دلالتها ، ومنها المكابرة فيها كما قالوا [ ص: 143 ] قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب ، ومنها قطع الاستماع لها ، كما قال عبد الله بن أبي ابن سلول في وقت صراحة كفره للنبيء صلى الله عليه وسلم وقد جاء النبيء صلى الله عليه وسلم مجلسا فيه ابن سلول فقرأ عليهم القرآن فقال عبد الله ابن سلول لا أحسن مما تقول أيها المرء ولا تغشنا به في مجلسنا واجلس في رحلك فمن جاءك فاقرأ عليه .

و بغير سلطان متعلق ب ( يجادلون ) ، والباء للاستعانة ، والسلطان : الحجة . والمعنى : أنهم يجادلون بما ليس بحجة ولكن باللجاج والاستهزاء .

و ( أتاهم ) صفة ل ( سلطان ) ، والإتيان مستعار للظهور والحصول .

وحصول الحجة هو اعتقادها ولوحها في العقل ، أي يجادلون جدلا ليس مما تثيره العقول والنظر الفكري ولكنه تمويه وإسكات .

وجملة كبر مقتا عند الله خبر ( إن ) من باب الإخبار بالإنشاء ، وهي إنشاء ذم جدالهم المقصود منه كم فم الحق ، أي كبر جدالهم مقتا عند الله ، ففاعل ( كبر ) ضمير الجدال المأخوذ من يجادلون على طريقة قوله اعدلوا هو أقرب للتقوى .

و ( مقتا ) تمييز للكبر وهو تمييز نسبة محول عن الفاعل ، والتقدير : كبر مقت جدالهم .

وفعل ( كبر ) هنا ملحق بأفعال الذم مثل : ساء ، لأن وزن فعل بضم العين يجيء بمعنى : نعم وبئس ، ولو كانت ضمة عينه أصلية وبهذا تفظيع بالصراحة بعد أن استفيد من صلة الموصول أن جدالهم هو سبب إضلالهم ذلك الإضلال المكين ، فحصل بهذا الاستئناف تقرير فظاعة جدالهم بطريقي الكناية والتصريح .

والكبر : مستعار للشدة ، أي مقت جدالهم مقتا شديدا .

والمقت : شدة البغض ، وهو كناية عن شدة العقاب على ذلك من الله . وكونه مقتا عند الله تشنيع له وتفظيع .

[ ص: 144 ] أما عطف وعند الذين آمنوا فلم أر في التفاسير الكثيرة التي بين يدي من عرج على فائدة عطف وعند الذين آمنوا ماعدا المهائمي في تبصرة الرحمن إذ قال كبر مقتا عند الله وهو موجب للإضلال ويدل على أنه كبر مقتا أنه عند الذين آمنوا وهم المظاهر التي يظهر فيها ظهور الحق اهـ . وكلمة المهائمي كلمة حسنة يعني أن كونه مقتا عند الله لا يحصل في علم الناس إلا بالخبر فزيد الخبر تأييدا بالمشاهدة فإن الذين آمنوا على قلتهم يومئذ يظهر بينهم بغض مجادلة المشركين وعندي : أن أظهر من هذا أن الله أراد التنويه بالمؤمنين ولم يرد إقناع المشركين فإنهم لا يعبأون ببغض المؤمنين ولا يصدقون ببغض الله إياهم ، فالمقصود الثناء على المؤمنين بأنهم يكرهون الباطل ، كما قال والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر مع الإشارة إلى تبجيل مكانتهم بأن ضمت عنديتهم إلى عندية الله تعالى على نحو قوله تعالى شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم وقوله يا أيها النبيء حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين وقوله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين ونحو قول النبيء صلى الله عليه وسلم لما ذكر حديث كلام الذئب فتعجب بعض من حضر فقال آمنت بذلك وأبو بكر ولم يكن أبو بكر في المجلس .

وفي إسناد كراهية الجدال في آيات الله بغير سلطان للمؤمنين تلقين للمؤمنين بالإعراض عن مجادلة المشركين على نحو ما في قوله تعالى وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه ، وقوله وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما وقوله وإذا مروا باللغو مروا كراما .

والقول في كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار كالقول في كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب .

والطبع : الختم ، وتقدم في قوله تعالى ختم الله على قلوبهم في سورة البقرة .

والختم والطبع والأكنة : خلق الضلالة في القلب ، أي النفس .

والمتكبر : ذو الكبر المبالغ فيه ولذلك استعيرت صيغة التكلف .

[ ص: 145 ] والجبار : مثال مبالغة من الجبر ، وهو الإكراه ، فالجبار : الذي يكره الناس على ما لا يحبون عمله لظلمه .

وقرأ الجمهور على كل قلب متكبر بإضافة ( قلب ) إلى ( متكبر ) ، وقرأ أبو عمرو وحده وابن ذكوان عن عامر بتنوين ( قلب ) على أن يكون ( متكبر ) و ( جبار ) صفتين ل ( قلب ) ، ووصف القلب بالتكبر والجبر مجاز عقلي . والمقصود وصف صاحبه كقوله تعالى فإنه آثم قلبه لأنه سبب الإثم كما يقال : رأت عيني وسمعت أذني .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث