الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ذكرى ما بعد الموت من البرزخ وأهوال القيامة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

ذكرى ما بعد الموت من البرزخ وأهوال القيامة

كما أن للموت شدة في أحواله وسكراته وخطرا في خوف العاقبة ، كذلك الخطر في مقاساة ظلمة القبر وديدانه ، ثم لمنكر ونكير وسؤالهما ، ثم لعذاب القبر وخطره إن كان مغضوبا عليه ، وأعظم من ذلك كله الأخطار التي بين يديه من نفخ الصور ، والبعث يوم النشور ، والعرض على الجبار ، والسؤال عن القليل والكثير ، ونصب الميزان لمعرفة المقادير ، ثم جواز الصراط ، ثم انتظار النداء عند فصل القضاء إما بالإسعاد وإما بالإشقاء . فهذه أحوال وأهوال لا بد لك من معرفتها ، ثم الإيمان بها على سبيل الجزم والتصديق ، ثم تطويل الفكر في ذلك لينبعث من قلبك دواعي الاستعداد لها . وأكثر الناس لم يدخل الإيمان باليوم الآخر صميم قلوبهم ولم يتمكن من سويداء أفئدتهم ، ويدل على ذلك شدة تشمرهم واستعدادهم لحر الصيف وبرد الشتاء وتهاونهم بحر جهنم وزمهريرها مع ما تكتنفه من المصاعب والأهوال ، بل إذا سئلوا عن اليوم الآخر نطقت به ألسنتهم ثم غفلت عنه قلوبهم ، ومن أخبر بأن ما بين يديه من الطعام مسموم فقال لصاحبه الذي أخبره صدقت ثم مد يده لتناوله كان مصدقا بلسانه ومكذبا بعمله ، وتكذيب العمل أبلغ من تكذيب اللسان . فمثل نفسك وقد بعثت من قبرك مبهوتا من شدة الصعقة شاخص العين نحو النداء ، وقد ثار الخلق ثورة واحدة من القبور التي طال فيها بلاهم وقد أزعجهم الرعب مضافا إلى ما كان عندهم من الهموم والغموم وشدة الانتظار لعاقبة الأمر كما قال الله تعالى : ( ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ) [ الزمر : 68 ] فتفكر في الخلائق وذلهم وانكسارهم واستكانتهم انتظارا لما يقضى عليهم من سعادة أو شقاوة ، وأنت فيما بينهم منكسر كانكسارهم ، متحير كتحيرهم ، فكيف حالك وحال قلبك هنالك وقد بدلت الأرض غير الأرض والسموات ، وطمس الشمس والقمر وأظلمت الأرض واشتبك الناس وهم حفاة عراة مشاة ، وازدحموا في الموقف شاخصة أبصارهم منفطرة قلوبهم . فتأمل يا مسكين في طول هذا اليوم ، وشدة الانتظار فيه ، والخجلة والحياء من الافتضاح عند العرض على الجبار تعالى وأنت عار مكشوف ذليل متحير مبهوت منتظر لما يجري عليك القضاء بالسعادة أو بالشقاوة ، وأعظم بهذه الحال فإنها عظيمة ، واستعد لهذا اليوم العظيم شأنه القاهر سلطانه القريب أوانه يوم تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت ( وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ) [ الحج : 2 ] يوم ترى السماء فيه قد انفطرت ، والكواكب من هوله قد انتثرت [ الانفطار : 2 ] ، والنجوم الزواهر قد انكدرت ، والشمس قد كورت ، والجبال قد سيرت ، والعشار قد عطلت ، والوحوش قد حشرت ، والبحار [ ص: 326 ] قد سجرت ، والنفوس إلى الأبدان قد زوجت ، والجحيم قد سعرت ، والجنة قد أزلفت [ الشعراء : 90 ، ق : 31 ، التكوير : 13 ] . وقد وصف الله بعض دواهي يوم القيامة ، وأكثر من أساميه لتقف بكثرة أساميه على كثرة معانيه ، فليس المقصود بكثرة الأسامي تكرير الأسامي والألقاب ، بل الغرض تنبيه أولي الألباب ، فتحت كل اسم من أسماء القيامة سر ، وفي كل نعت من نعوتها معنى ، فاحرص على معرفة معانيها . فمن أساميها : " يوم القيامة " ، " ويوم الحسرة " [ مريم : 39 ] " ويوم الندامة [ يونس : 54 وسبأ : 33 ] ، " ويوم المحاسبة " [ ص : 26 و 53 ] ، " ويوم الزلزلة " [ الحج : 1 والزلزلة : 1 ] ، " ويوم الصاعقة " [الطور : 45 والزمر : 68 ] ، " ويوم الواقعة " [ الواقعة : 1 والحاقة : 13 و 15 ] ، " ويوم القارعة " [ القارعة : 1 ، والحاقة : 4 ] ، " ويوم الغاشية " [ الغاشية : 1 ] ، " ويوم الراجفة " [ النازعات : 6 ] ، " ويوم الحاقة " [ الحاقة : 1 و 2 ] ، " ويوم الطامة " [ النازعات : 34 ] ، " ويوم الصاخة " [ عبس : 33 ] ، " ويوم التلاق " [ غافر : 15 ] ، " ويوم التناد " [ غافر : 32 ] ، " ويوم الجزاء " [ غافر : 17 ] ، " ويوم الوعيد " [ ق : 20 ] ، " ويوم العرض " [ الكهف : 48 ] ، " ويوم الوزن " [ الأعراف : 8 و 9 ] ، " ويوم الفصل " [ الصافات : 21 والنبأ : 17 والمرسلات : 38 ] ، " ويوم الجمع " [ الشورى : 7 ] ، " ويوم البعث " [ الروم : 56 ] ، " ويوم الخزي " [ آل عمران : 192 والنحل : 27 ] ، " ويوم عسير " [ الفرقان : 26 والمدثر : 9 ] ، " ويوم الدين " [ الحجر : 35 والصافات : 20 ] ، " ويوم النشور " [ الملك : 15 والقمر : 7 ] ، " ويوم الخلود " [ ق : 34 ] ، " ويوم لا ريب فيه " [ آل عمران : 9 والنساء : 87 ] ، " ويوم لا تجزي نفس عن نفس شيئا " [ البقرة : 48 ، 123 ] ، " ويوم تشخص فيه الأبصار " [ إبراهيم : 42 ] ، و ( يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه ) [ عبس : 34 - 36 ] ( يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ) [ الشعراء : 88 ، 89 ] .

فالويل كل الويل للغافلين ، يرسل الله لنا سيد المرسلين ، وينزل عليه الكتاب المبين ، ويخبرنا بهذه الصفات من نعوت يوم الدين ، ثم يعرفنا غفلتنا ويقول : ( اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم ) [ الأنبياء : 1 - 3 ] ثم يعرفنا قرب القيامة فيقول : ( اقتربت الساعة وانشق القمر ) [ القمر : 1 ] ( إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا ) [ المعارج : 6 و 7 ] ( وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا ) [ الأحزاب : 63 ] ثم يكون أحسن أحوالنا أن نتخذ دراسة هذا القرآن عملا فلا نتدبر معانيه ، ولا ننظر في كثرة أوصاف هذا اليوم وأساميه ، ولا نستعد للتخلص من دواهيه .

فنعوذ بالله من هذه الغفلة إن لم يتداركنا الله بواسع رحمته .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث