الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب إذا كان الثوب ضيقا

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 154 ] 6 - باب

إذا كان الثوب ضيقا

فيه حديثان:

أحدهما:

قال:

354 361 - ثنا يحيى بن صالح: ثنا فليح بن سليمان، عن سعيد بن الحارث، قال: سألنا جابر بن عبد الله عن الصلاة في الثوب الواحد؟ فقال: خرجت مع رسول الله في بعض أسفاره، فجئت ليلة لبعض أمري فوجدته يصلي، وعلي ثوب واحد فاشتملت به وصليت إلى جانبه فلما انصرف قال: " ما السرى يا جابر؟ " فأخبرته بحاجتي، فلما فرغت قال: " ما هذا الاشتمال الذي رأيت؟ " قلت: كان ثوب - يعني: ضاق - قال: " فإن كان واسعا فالتحف به، وإن كان ضيقا فاتزر به " .

التالي السابق


قوله: " ما السرى يا جابر " يدل على أن هذا السير كان في آخر الليل، وهو السرى، وفهم النبي صلى الله عليه وسلم من جابر أنه جاء في ذلك الوقت لحاجة له، ولذلك قال له ذلك.

وأما إنكاره عليه الاشتمال بالثوب الواحد، فقال الخطابي : الاشتمال الذي أنكره أن يدير الثوب على بدنه كله، لا يخرج منه يده.

قلت: قد خرج هذا الحديث مسلم وأبو داود وغيرهما بسياق يدل على بطلان هذا التفسير، من رواية عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت ، عن جابر ، [ ص: 155 ] فذكر حديثا طويلا، وفيه: قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة، فقام يصلي، وكانت علي بردة ذهبت أخالف بين طرفيها، فلم يبلغ لي، وكانت لها ذباذب فنكستها، ثم خالفت بين طرفيها، ثم تواقصت عليها لا تسقط، ثم جئت حتى قمت عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه، فجاء جبار بن صخر فقام عن يساره، فأخذنا بيديه جميعا حتى أقامنا خلفه. قال: وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمقني وأنا لا أشعر، ثم فطنت به، فأشار إلي أن أتزر بها، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يا جابر " قلت: لبيك يا رسول الله، قال: " إذا كان واسعا فخالف بين طرفيه، وإذا كان ضيقا فاشدده على حقوك ".

فهذا السياق يدل على أن بردة جابر كانت ضيقة، لا تتسع للاتزار بها والارتداء، ولذلك تواقص عليها لئلا تسقط.

قال الخطابي في " المعالم ": معناه: أنه ثنى عنقه ليمسك الثوب به، كأنه يحكي خلقة الأوقص من الناس - يعني: مائل العنق.

وقد استدل بهذا الحديث من قال: إن الصلاة بإزار واحد مع إعراء المنكبين صحيحة ; فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر جابرا أن يتزر ويصلي لما عجز عن ستر عورته ومنكبيه بالبردة التي عليه لضيقها.

وممن استدل بذلك الشافعي وأصحابه ومن وافقهم.

وقد روى شرحبيل بن سعد ، عن جابر ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا ما اتسع الثوب فتعاطف به على منكبيك ثم صل، وإذا ضاق عن ذلك فشد به حقويك، ثم صل على غير رداء .

خرجه الإمام أحمد ، وشرحبيل هذا مختلف في أمره.

[ ص: 156 ] وأجاب أصحابنا عن ذلك من وجهين:

أحدهما: ما أجاب به أبو بكر الأثرم : أن ذلك محمول على حالة العجز عن ستر المنكبين، والنهي عن إعرائهما إنما يكون للقادر على سترهما.

وهذا - أيضا - قول إسحاق ، قال: إن أعرى منكبيه في الصلاة من ضرورة فجائز -: نقله عنه حرب .

والثاني: أن حديث جابر هذا محمول على صلاة النافلة، وحديث أبي هريرة محمول على صلاة الفرض، وهذا جواب أبي بكر عبد العزيز بن جعفر .

ويشهد له أن في رواية البخاري أن ذلك كان ليلا. وقوله: " ما السرى يا جابر ؟ " يدل على أنه كان من آخر الليل، فيحتمل أن تكون تلك صلاة الليل، أو صلاة الوتر. والله أعلم.

وقال حنبل : قيل لأبي عبد الله - يعني: أحمد -: الرجل يكون عليه الثوب اللطيف لا يبلغ أن يعقده، ترى أن يتزر به ويصلي؟ قال: لا أرى ذلك مجزئا عنه، وإن كان الثوب لطيفا صلى قاعدا وعقده من ورائه، على ما فعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في الثوب الواحد .

وهذه رواية مشكلة جدا، ولم يروها عن أحمد غير حنبل ، وهو ثقة إلا أنه يهم أحيانا، وقد اختلف متقدمو الأصحاب فيما تفرد به حنبل عن أحمد : هل تثبت به رواية عنه أم لا؟

ولكن اعتمد الأصحاب على هذه الرواية، ثم اختلفوا في معناها:

فقال القاضي أبو يعلى ومن اتبعه: من وجد ما يستر به منكبيه أو عورته ولا يكفي إلا أحدهما فإنه يستر عورته، ويصلي جالسا ; لأن الجلوس بدل عن [ ص: 157 ] القيام، ويحصل به ستر العورة، فيستر بالثوب اللطيف منكبيه حيث لم يكن له بدل.

وقال طائفة من أصحابنا: إذا كان الثوب يستر منكبيه وعجيزته سترهما، وصلى قاعدا؛ لحصول ستر المنكبين وستر العورة، فإن لم يحوهما اتزر به، وصلى قائما.

وهؤلاء منهم من اعتبر ستر عجزه خاصة، فيكون قبله مستترا بالجلوس.

وهذا إنما يصح على قولنا: إن العورة الفرجان خاصة، فأما على المذهب المشهور: أن العورة ما بين السرة والركبة فقد حصل كشف معظم العورة، وستر ذلك آكد من ستر المنكبين.

ومنهم: من اعتبر ستر جميع عورته مع المنكبين، فأسقط القيام لذلك، وهو ظاهر كلام ابن أبي موسى وهو أقرب.

وقياس المذهب: أنه لا يلزمه ذلك في هذه الحال، بل يخير بينه وبين ستر عورته وحدها وصلاته قائما، كما يخير العاري بين أن يصلي قاعدا مراعاة لستر بعض عورته بالجلوس وبين أن يصلي قائما مراعاة لركن القيام.

ولأصحابنا وجه آخر: أنه يلزمه أن يستر عورته ويصلي قائما كقول جمهور العلماء، ورجحه صاحب " المغني " لأن القيام وستر العورة واجبان بالإجماع، بخلاف ستر المنكبين.

وعليه يدل حديث جابر المخرج في هذا الباب، وحديث سهل بن سعد كما سيأتي - إن شاء الله تعالى - وإليه أشار أحمد في رواية حنبل بقوله: " وعقده من ورائه على ما فعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، لكن حديث سهل ليس فيه أنهم كانوا يصلون جلوسا.

وقول الأثرم وإسحاق بن راهويه : أنه يفرق في ستر المنكبين بين القادر [ ص: 158 ] والعاجز، فيجب مع القدرة ويسقط عند العجز - أشبه الأقاويل في المسألة، وعليه يدل تبويب البخاري . والله أعلم.

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث