الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


ثم شرع في بيان أحكام الرضاع وما يحرم منه وما لا يحرم فقال [ درس ] ( باب حصول ) أي وصول ( لبن امرأة ) للجوف ولو شكا للاحتياط ( وإن ) كانت المرأة ( ميتة وصغيرة ) لا تطيق الوطء وعجوزا قعدت عن الولد

[ ص: 503 ] وإن وصل لجوفه ( بوجور ) بفتح الواو ما يدخل في وسط الفم أو ما صب في الحلق من اللبن ( أو سعوط ) بفتح السين المهملة ما صب في الأنف ( أو حقنة ) بضم الحاء المهملة دواء يصب في الدبر ، والباء متعلقة بحصول والوجور ، وما عطف عليه نوع من مطلق اللبن فالمعنى لا يستقيم أجيب بأن الباء باء الآلة أي وإن كانت الآلة الموصلة للجوف ، وجورا أي آلة وجور فلا بد من هذا المضاف وقوله : ( تكون غذاء ) بكسر الغين وبالذال المعجمتين صفة للحقنة فقط على الراجح أي شرط تحريم الحقنة كونها غذاء بالفعل وقت انصبابها ، وإن احتاج بعد ذلك لغذاء بالقرب ، وأما ما وصل من منفذ عال فلا يشترط فيه ذلك ( أو خلط ) لبن المرأة بغيره من طعام أو شراب وكان غالبا أو مساويا لغيره بدليل قوله ( لا غلب ) بضم الغين بأن لم يبق له طعم فلا يحرم فلو خلط لبن امرأة بلبن أخرى صار ابنا لهما مطلقا تساويا أم لا ( ولا ) إن كان ( كماء أصفر ) أو غيره مما ليس بلبن ( وبهيمة ) ارتضع عليها صبي وصبية فلا يحرم ( و ) لا ( اكتحال به ) أو وصل من أذن أو مسام الرأس ( محرم ) اسم فاعل خبر قوله حصول أي ناشر للحرمة ( إن حصل في الحولين ) من يوم الولادة ( أو بزيادة الشهرين ) عليهما ( إلا أن يستغني ) الصبي بالطعام عن اللبن ( ولو فيهما ) أي الحولين استغناء بينا بحيث لا يغنيه اللبن عن الطعام لو عاد إليه هذا هو المراد وسواء كان الاستغناء فيهما بمدة قريبة أو بعيدة خلافا لمن قال ببقاء التحريم إلى تمامهما .

التالي السابق


( باب الرضاع ) هو بفتح الراء وكسرها مع التاء وتركها ففيه أربع لغات ، وأنكر الأصمعي الكسر مع التاء أي أنكر ثبوت ذلك في اللغة ، قال في المصباح : رضع من باب تعب في لغة نجد ومن باب ضرب في لغة تهامة وأهل مكة يتكلمون بهما ا هـ قال عياض : ذكر أهل اللغة أنه لا يقال في الخارج من بنات آدم لبن وإنما يقال لبان ، واللبن يقال للخارج من سائر الحيوانات غيرهن ولكن جاء في الحديث كثيرا خلاف قولهم فقد قال عليه الصلاة والسلام { لبن الفحل محرم } ا هـ قال ابن عبد السلام : ولا يبعد حمل ما في الحديث على المجاز أو التشبيه ( قوله : لبن امرأة ) أي لا لبن ذكر فلا يحرم ، ولو كثر والظاهر أن لبن الخنثى المشكل ينشر الحرمة كما في عبق عن تت وقوله : امرأة أي آدمية ، وأما لبن الجنية فلا ينشر الحرمة بين مرتضعيها كذا في عبق وتوقف فيه ولده وشيخنا العلامة العدوي والظاهر أنه يجري على الخلاف في نكاحهم ( قوله : للجوف ) أي لجوف الرضيع لا إن وصل للحلق ورد فلا يحرم على المشهور كذا في عبق وما ذكره من أن المعتبر في التحريم هو الوصول للجوف هو الواقع في عبارة الكثير من أهل المذهب ، والذي في عبارة القاضي عبد الوهاب وابن بشير هو الوصول للحلق انظر طفي ( قوله : ولو شكا ) أي هذا إذا كان وصوله للجوف تحقيقا أو ظنا بل ولو كان وصوله مشكوكا فيه وقول المصنف وصول لبن امرأة صادق بكونه كثيرا أو قليلا ولو مصه ; لأن " لبن " اسم جنس إفرادي يصدق بالقليل والكثير .

( قوله وإن ميتة ) أي هذا إذا كانت تلك المرأة حية بل ولو كانت ميتة دب الطفل فرضعها أو حلب منها وعلم أن الذي بثديها لبن ابن ناجي وكذا إن شك هل هو لبن أو غيره ; لأنه أحوط وقول ابن رشد وابن عبد السلام إن تحقق أنه لبن حرم وإلا فلا مخالف له وظاهر ح اعتماد ما لابن ناجي قاله عبق قال بن : والظاهر انتفاء هذه المعارضة بأن يكون الشك الذي نفاه ابن عبد السلام هو الشك في وجود اللبن وعدمه ، والشك الذي أثبت به التحريم هو الشك في الموجود هل هو لبن أم لا فبينهما فرق واضح ، وقوله : ولو ميتة رد بالمبالغة على ما حكاه ابن بشير وغيره من القول الشاذ بعدم تحريم لبن الميتة ; لأن الحرمة لا تقع بغير المباح ولبن الميتة نجس على مذهب ابن القاسم فلا يحرم والمعتمد أنه طاهر وأنه يحرم ( قوله : لا تطيق الوطء ) إنما قيد الصغيرة بعدم إطاقة الوطء ; لأنها داخلة في حيز المبالغة ، وهو محل الخلاف أما لو أطاقته لنشر اتفاقا ( قوله : وعجوزا قعدت عن الولد ) أي عن الولادة أي فلبنها محرم ، وهذا مقتضى ما لابن عرفة عن ابن رشد ونص ابن عرفة وقول ابن عبد السلام قال ابن رشد ولبن الكبيرة التي لا توطأ لكبر لغو لا أعرفه بل في مقدماته تقع الحرمة بلبن البكر والعجوز التي لا [ ص: 503 ] تلد وإن كان من غير وطء إن كان لبنا لا ماء أصفر ا هـ بن ( قوله : إن بوجور ) أي هذا إذا كان وصول اللبن لجوف الرضيع برضاع أي مص بل ولو كان بوجور .

( قوله : أو ما صب في الحلق ) أو لحكاية الخلاف أي ووصل للجوف على كل من القولين ( قوله : ما صب في الأنف ) أي ووصل للجوف ( قوله لا يستقيم ) أي لأنه لا معنى لقوله : وإن كان وصول اللبن للجوف بنوع منه ( قوله : أي آلة وجور ) أي أو آلة سعوط أو آلة حقنة ( قوله : فلا بد من هذا المضاف ) أي وإلا لاقتضى الكلام أن الوجور وما بعده آلة موصلة للجوف لا نوع من اللبن فيخالف ما قبله

هذا والحق أن الوجور والسعوط فعل الشخص ، وأن الأول هو صب اللبن في وسط الفم أو في الحلق ، والثاني صب اللبن في الأنف وحينئذ فالباء سببية ، وأن المراد بالحقنة الاحتقان وهو صب اللبن في الدبر وقوله : تكون غذاء الضمير راجع للحقنة لا بالمعنى الأول ، واقتصار المصنف على هذه الثلاثة يقتضي أن ما وصل من اللبن للجوف من الأذن أو العين أو مسام الرأس لا يحرم ، ولو تحقق وصوله وهو كذلك ( قوله : صفة للحقنة فقط ) هذا هو الصواب وجعل الشارح بهرام قوله : تكون غذاء قيدا في الثلاثة ، ودرج على ذلك في شامله ، وتبعه تت وهو غير صحيح كما قاله بن وذكر نقولا تفيد ذلك فراجعها إن شئت ( قوله : من منفذ عال ) أي كالفم والأنف ، وقوله : فلا يشترط فيه ذلك أي كونه غذاء بل تحرم وإن كان مصة ( قوله : من طعام أو شراب ) أي أو دواء ، وقوله : وكان أي لبن المرأة غالبا على غيره ( قوله : بأن لم يبق له طعم ) أي لاستهلاكه .

( قوله : صار ابنا لهما تساويا أم لا ) أي بأن غلب أحدهما الآخر ، وقيل بإلغاء المغلوب منهما كالطعام والقولان حكاهما ابن عرفة وجعل الأول هو المشهور قال عبق : والظاهر أن اللبن يحرم إذا جبن أو سمن ، واستعمله الرضيع ( قوله : ولا إن كان إلخ ) أي ولا إن كان ما رضعه الطفل من ثدي المرأة ماء أصفر أو غيره كماء أحمر مما ليس بلبن فلا يحرم وهذا مخرج من قوله : لبن وأما تغير طعم اللبن أو ريحه فيحرم وكذا إن تغير لونه يسيرا بغير الصفرة والحمرة أو بهما حيث كان لبنا كالمسمار ، ولا ينافيه قوله : ولا كماء أصفر ; لأنه ليس بلبن كما قال الشارح ( قوله : وبهيمة ) مخرج من قوله : امرأة وقوله : واكتحال مخرج من قوله : وإن بوجور أو سعوط ( قوله أو وصل من أذن ) أي ولو تحقق وصوله للجوف ( قوله : أو بزيادة إلخ ) أي أو في الشهرين الزائدين على الحولين فهو من إضافة الصفة للموصوف أو إن الإضافة للبيان ، وعلى كل حال فالباء بمعنى في ، وظاهره أن الرضاع إذا حصل بعد الشهرين والحولين لا يحرم ، ولو كان بعدهما بيوم واحد .

( قوله : إلا أن يستغني ) أي بعد الفطام كما قال بحيث إلخ أي وأما لو استمر الرضاع من غير فطام كان محرما في مدته مطلقا ، ولو استغنى عنه بالطعام بالفعل ( قوله : ولو فيهما ) أي فإن استغنى بالطعام بعد الفطام كان غير محرم ، ولو كان الاستغناء في الحولين ( قوله : وسواء كان الاستغناء فيهما إلخ ) صوابه وسواء رضع فيهما بعد الاستغناء بمدة قريبة أو بعيدة على المشهور ; لأن القرب والبعد إنما يعتبران بين الاستغناء والعود للرضاع ، وحاصل الفقه كما في التوضيح أنه إذا حصل الرضاع في الحولين فإن لم يستغن بأن لم يفطم أصلا أو فطم ولكن أرضعته بعد فطامه بيوم أو يومين نشر الحرمة باتفاق ، وإن استغنى فإما أن يحصل الرضاع بعد الاستغناء بمدة قريبة أو بعيدة ، فإن كان بمدة بعيدة لم يعتبر وكذا إن كان بمدة قريبة على المشهور [ ص: 504 ] وهو مذهب المدونة فمذهبها أن الرضاع بعد الاستغناء لا يحرم سواء حصل بعد الاستغناء بمدة قريبة أو بعيدة ومقابله لمطرف وابن الماجشون وأصبغ في الواضحة أنه يحرم إلى تمام الحولين ولو حصل بعد الاستغناء بمدة قريبة أو بعيدة ، وعلى هذا القول رد المصنف بلو وهذا هو ما أشار له الشارح بقوله : خلافا لمن قال إلخ



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث