الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء

الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء .

استئناف ثان بناء على أحسن الوجوه التي فسرنا بها موقع قوله الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه كما تقدم فلذلك لم تعطف على التي قبلها لأن المقام مقام تعداد دلائل انفراده تعالى بالتصرف وبالإنعام عليهم حتى يفتضح خطلهم في الإشراك به وكفران نعمه ، فذكرهم في الآية السابقة بآثار قدرته في إيجاد الأعراض القائمة بجواهر هذا العالم وهما عرضا الظلمة والنور ، وفي كليهما نعم عظيمة على الناس ، وذكرهم في هذه الآية بآثار خلق الجواهر في هذا العالم على كيفيات هي نعمة لهم ، وفي خلق أنفسهم على صور صالحة بهم ، فأما إن جعلت اسم الجلالة في قوله الله الذي جعل إلخ بدلا من ربكم في وقال ربكم ادعوني ، فإن جملة الله الذي جعل لكم الأرض قرارا تكون مستأنفة استئنافا ابتدائيا .

والموصول وصلته يجوز أن يكون صفة لاسم الجلالة فيكون الخبر قوله ذلكم الله ربكم وهو أولى لأن المقصود إثبات إلهيته وحده بدليل ما هو مشاهد من إتقان صنعه الممزوج بنعمته .

ويجوز أن يكون الموصول خبرا فيكون الخبر مستعملا في الامتنان والاعتبار . ولما كان المقصود الأول من هذه الآية الامتنان كما دل عليه قوله لكم قدمت الأرض على السماء لأن الانتفاع بها محسوس وذكرت السماء بعدها كما يستحضر الشيء بضده مع قصد إيداع دلائل علم الهيئة لمن فيهم استعداد للنظر فيها وتتبع أحوالها على تفاوت المدارك وتعاقب الأجيال واتساع العلوم .

والقرار أصله ، مصدر قر ، إذا سكن . وهو هنا من صفات الأرض لأنه في حكم الخبر عن الأرض ، فالمعنى يحتمل : أنه جعلها قارة غير مائدة ولا مضطربة فلم تكن مثل كرة الهواء مضطربة متحركة ولو لم تكن قارة لكان الناس في عناء من [ ص: 190 ] اضطرابها وتزلزلها ، وقد يفضي ذلك بأكثرهم إلى الهلاك وهذا في معنى قوله وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم في سورة الأنبياء .

ويحتمل أن المعنى جعل الأرض ذات قرار ، أي قرار لكم ، أي جعلها مستقرا لكم كقوله تعالى وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين أي خلقها على كيفية تلائم الاستقرار عليها بأن جعلها يابسة غير سائلة ولو شاء لجعل سطح الأرض سيالا كالزئبق أو كالعجل فلا يزال الإنسان سائخا فيها يطفو تارة ويسيخ أخرى فلا يكاد يبقى على تلك الحالة ، وذلك كوسط سبخة التاكمرت المسماة شط الجريد الفاصل بين نفطة ونفزاوة من الجنوب التونسي فإن فيها مسافات إذا مشت فيها القوافل ساخت في الأرض فلا يعثر عليها ولذلك لا تسير فيها القوافل إلا بهداة عارفين بمسالك السير في علامات منصوبة ، فكانت خلقة الأرض دالة على عظيم قدرة الله وعلى دقيق حكمته وعلى رحمته بالإنسان والحيوان المعمور بهما وجه الأرض .

والبناء : ما يرفع سمكه على الأرض للاتقاء من الحر والبرد والمطر والدواب . ووصف السماء بالبناء جار على طريقة التشبيه البليغ ، وتقدم الكلام مستوفى عند قوله تعالى الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء في سورة البقرة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث