الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في أهوال جهنم وقانا الله عذابها

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

القول في أهوال جهنم وقانا الله عذابها

يا أيها الغافل عن نفسه ، المغرور بما هو فيه من شواغل هذه الدنيا المشرفة على الانقضاء والزوال ، دع التفكر فيما أنت مرتحل عنه . واصرف الفكر إلى موردك ، فإنك أخبرت بأن النار مورد للجميع إذ قال سبحانه : ( وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا ) [ مريم : 71 ، 72 ] فأنت من الورود على يقين ، ومن النجاة في شك ، فاستشعر في قلبك هول ذلك المورد فعساك تستعد للنجاة منه ، وتأمل في حال الخلائق وقد قاسوا من دواهي القيامة ما قاسوا ، فبينما هم في كربها وأهوالها وقوفا ينتظرون حقيقة أنبائها وتشفيع شفعائها إذ أحاطت بالمجرمين ظلمات ذات شعب وأظلت عليهم نار ذات لهب وسمعوا لها زفيرا يفصح عن شدة الغيظ والغضب ، فعند ذلك أيقن المجرمون بالعطب ، وجثت الأمم على الركب . حتى أشفق البرآء من سوء المنقلب ، فهناك تسوق الزبانية المجرم إلى العذاب الشديد وينكسونه في قعر الجحيم ، ويقولون له ذق إنك أنت العزيز الكريم ، فأسكنوا دارا يخلد فيها الأسير ، ويوقد فيها السعير : وشرابهم فيها الحميم ، ومستقرهم الجحيم . شدت أقدامهم إلى النواصي ، واسودت وجوههم من ظلمة المعاصي ، ينادون من أكنافها ويصيحون في نواحيها وأطرافها . يا مالك قد نضجت منا الجلود . يا مالك أخرجنا منها فإنا لا نعود . فتقول الزبانية : هيهات لات حين أمان ، ولا خروج لكم من دار الهوان ، فاخسئوا فيها ولا تكلمون ، ولو أخرجتم منها لكنتم إلى ما نهيتم عنه تعودون . فعند ذلك يقنطون ، وعلى ما فرطوا في جنب الله يتأسفون . ولا ينجيهم الندم ولا يغنيهم الأسف ، يدعون بالويل والثبور ، وتغلي بهم النار كغلي القدور ، وتهشم بمقامع الحديد جباههم ، فينفجر الصديد من أفواههم ، وهم مع ذلك يتمنون الموت فلا يموتون ، فكيف لو نظرت إليهم قد اسودت وجوههم أشد سوادا من الحميم ، وأعميت أبصارهم ، وأبكمت ألسنتهم ، وكسرت عظامهم ، ومزقت جلودهم ، ولهيب النار سار في بواطن أجزائهم ، وحيات الهاوية وعقاربها متشبثة بظواهر أعضائهم . هذا بعض [ ص: 329 ] جملة أحوالهم ، وانظر إلى تفاوت الدركات ، فإن الآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا ، فكما أن إكباب الناس على الدنيا يتفاوت ، فمنهم منهمك مستكثر كالغريق فيها ، ومن خائض فيها إلى حد محدود ، فكذلك تناول النار لهم متفاوت ، فإن الله لا يظلم مثقال ذرة ، فلا تترادف أنواع العذاب على كل من في النار كيفما كان ، بل لكل واحد حد معلوم على قدر عصيانه وذنبه ، إلا أن أقلهم عذابا لو عرضت عليه الدنيا لافتدى بها من شدة ما هو فيه . فيا لحسرة هؤلاء وقد بلوا بما بلوا به ولم يبق معهم شيء من الدنيا ولذاتها .

فانظر يا مسكين في هذه الأهوال ، والعجب منك حيث تضحك وتلهو وتشتغل بمحقرات الدنيا ولست تدري بماذا سبق القضاء في حقك ( فإن قلت ) فليت شعري ماذا موردي ، وإلى ماذا مآلي ومرجعي ، وما الذي سبق به القضاء في حقي ، فلك علامة تستأنس بها وتصدق رجاءك بسببها ، وهو أن تنظر إلى أحوالك وأعمالك فإن كلا ميسر لما خلق له ، فإن كان قد يسر لك سبيل الخيرات فأبشر فإنك مبعد عن النار ، وإن كنت لا تقصد خيرا إلا وتحيط بك العوائق فتدفعه ولا تقصد شرا إلا ويتسير لك أسبابه ، فاعلم أنك مقضي عليك ، فإن دلالة هذا على العاقبة كدلالة المطر على النبات ودلالة الدخان على النار ، فقد قال الله تعالى : ( إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم ) [ الانفطار : 13 و 14 ] فاعرض نفسك على الآيتين وقد عرفت مستقرك من الدارين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث