الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الوجه الثاني ما دلت عليه الأحاديث ما في قوله صلى الله عليه وسلم { لا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه } كما ثبت ذلك عنه من حديث ابن عمر فنهى عن الصوم قبل رؤيته وعن الفطر قبل [ ص: 177 ] رؤيته . ولا يخلو النهي : إما أن يكون عاما في الصوم فرضا ونفلا ونذرا وقضاء . أو يكون المراد فلا تصوموا رمضان حتى تروه . وعلى التقديرين فقد نهى أن يصام رمضان قبل الرؤية والرؤية الإحساس والإبصار به . فمتى لم يره المسلمون . كيف يجوز أن يقال : قد أخبر مخبر أنه يرى وإذا رئي كيف يجوز أن يقال : أخبر مخبر أنه لا يرى وقد علم أن قوله : { فلا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه } ليس المراد به أنه لا يصومه أحد حتى يراه بنفسه بل لا يصومه أحد حتى يراه أو يراه غيره .

وفي الجملة فهو من باب عموم النفي لا نفي العموم : أي لا يصومه أحد حتى يرى أو حتى يعلم أنه قد رئي أو ثبت أنه قد رئي ; ولهذا لما اختلف السلف ومن بعدهم في صوم يوم الشك من رمضان فصامه بعضهم مطلقا في الصحو والغيم احتياطا وبعضهم كره صومه مطلقا في الصحو والغيم كراهة الزيادة في الشهر . وفرق بعضهم بين الصحو والغيم لظهور العدم في الصحو دون الغيم . كان الذي صاموه احتياطا إنما صاموه لإمكان أن يكون قد رآه غيرهم . فينقصونه فيما بعد . وأما لو علموا أنه لم يره أحد لم يكن أحد من الأمة يستجيز أن يصومه لكون الحساب قد دل على أنه يطلع ولم ير مع ذلك كما [ ص: 178 ] أن الجمهور الذين كرهوا صومه لم يلتفتوا إلى هذا الجواب إذ الحكم ممدود إلى وقوع الرؤية لا إلى جوازها .

واختلف هؤلاء هل يجوز أو يكره أو يحرم أو يستحب أن يصام بغير نية رمضان . إذا لم يوافق عادة ؟ على أربعة أقوال . هذا يجوزه أو يستحبه حملا للنهي عن صوم رمضان . ويكرهه ويحظره لنهيه صلى الله عليه وسلم عن التقدم ولخوف الزيادة . ولمعان أخر .

ثم إذا صامه بغير نية رمضان أو بنيته المكروهة فهل يجزئه إذا تبين أو لا يجزئه . بل عليه القضاء ؟ على قولين للأمة . وإذا لم يتبين أنه رئي إلا من النهار فهل يجزئه إنشاء النية من النهار ؟ على قولين للأمة : ولو تبين أنه رئي في مكان آخر : فهل يجب القضاء أو لا يجب مطلقا ؟ أم إذا كان دون مسافة القصر ؟ أم إذا كانت الرؤية في الإقليم ؟ أم إذا كان العمل واحدا ؟ وهل تثبت الرؤية بقول الواحد ؟ أم الاثنين مطلقا ؟ أم لا بد في الصحو من عدد كثير ؟ هذا مما تنازع فيه المسلمون فهذه المسائل التي تنازع فيها المسلمون التي تتعلق بيوم الثلاثين وتفرع بسببها مسائل أخر لعموم البلوى بهذا [ ص: 179 ] الأمر ولما فهموه من كلام الله ورسوله ورأوه من أصول شريعته ولما بلغهم عن الصدر الأول وهي من جنس المسائل التي تنازع فيها أهل الاجتهاد بخلاف من خرج في ذلك إلى الأخذ بالحساب أو الكتاب كالجداول وحساب التقويم والتعديل المأخوذ من سيرهما . وغير ذلك الذي صرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفيه عن أمته والنهي عنه .

ولهذا ما زال العلماء يعدون من خرج إلى ذلك قد أدخل في الإسلام ما ليس منه فيقابلون هذه الأقوال بالإنكار الذي يقابل به أهل البدع وهؤلاء الذين ابتدعوا فيه ما يشبه بدع أهل الكتاب والصابئة أنواع : قوم منتسبة إلى الشيعة من الإسماعيلية وغيرهم . يقولون بالعدد دون الرؤية . ومبدأ خروج هذه البدعة من الكوفة .

فمنهم من يعتمد على جدول يزعمون أن جعفرا الصادق دفعه إليهم ولم يأت به إلا عبد الله بن معاوية ولا يختلف أهل المعرفة من الشيعة وغيرهم أن هذا كذب مختلق على جعفر اختلقه عليه عبد الله هذا . وقد ثبت بالنقل المرضي عن جعفر وعامة أئمة أهل البيت ما عليه المسلمون . وهو قول أكثر عقلاء الشيعة .

[ ص: 180 ] ومنهم من يعتمد على أن رابع رجب أول رمضان أو على أن خامس رمضان الماضي أول رمضان الحاضر .

ومنهم من يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا لا يعرف في شيء من كتب الإسلام ولا رواه عالم قط أنه قال : { يوم صومكم يوم نحركم } . وغالب هؤلاء يوجبون أن يكون رمضان تاما ويمنعون أن يكون تسعة وعشرين .

ومنهم من يعتمد على رؤيته بالمشرق قبل الاستسرار فيوجبون استسراره ليلتين ويقولون : أول يوم يرى في أوله فهو من الشهر الماضي . واليوم يكون اليوم الذي لا يرى في طرفيه . ثم اليوم الذي يرى في آخره هو أول الشهر الثاني ويجعلون مبدأ الشهر قبل رؤية الهلال مع العلم بأن الهلال يستسر لليلة تارة وليلتين أخرى وقد يستسر ثلاث ليال .

فأما الذين يعتمدون على حساب الشهور وتعديلها فيعتبرونه برمضان الماضي . أو برجب أو يضعون جدولا يعتمدون عليه فهم مع مخالفتهم لقوله صلى الله عليه وسلم { لا نكتب ولا نحسب } إنما عمدتهم [ ص: 181 ] تعديل سير النيرين والتعديل أن يأخذ أعلى سيرهما وأدناه فيأخذ الوسط منه ويجمعه .

ولما كان الغالب على شهور العام أن الأول ثلاثون والثاني تسعة وعشرون كان جميع أنواع هذا الحساب والكتاب مبنية على أن الشهر الأول ثلاثون والثاني تسعة وعشرون . والسنة ثلاثمائة وأربعة وخمسون . ويحتاجون أن يكتبوا في كل عدة من السنين زيادة يوم تصير فيه السنة ثلاثمائة وخمسة وخمسين يوما يزيدونه في ذي الحجة مثلا فهذا أصل عدتهم . وهذا القدر موافق في أكثر الأوقات ; لأن الغالب على الشهور هكذا ولكنه غير مطرد فقد يتوالى شهران وثلاثة وأكثر ثلاثين وقد يتوالى شهران وثلاثة وأكثر تسعة وعشرين فينتقض كتابهم وحسابهم ويفسد دينهم الذي ليس بقيم وهذا من الأسباب الموجبة لئلا يعمل بالكتاب والحساب في الأهلة .

فهذه طريقة هؤلاء المبتدعة المارقين الخارجين عن شريعة الإسلام الذين يحسبون ذلك الشهر بما قبله من الشهور إما في جميع السنين أو بعضها ويكتبون ذلك .

وأما الفريق الثاني : فقوم من فقهاء البصريين ذهبوا إلى أن قوله : [ ص: 182 ] { فاقدروا له } تقدير حساب بمنازل القمر وقد روي عن محمد بن سيرين قال : خرجت في اليوم الذي شك فيه فلم أدخل على أحد يؤخذ عنه العلم إلا وجدته يأكل إلا رجلا كان يحسب ويأخذ بالحساب ولو لم يعلمه كان خيرا له . وقد قيل : إن الرجل مطرف بن عبد الله بن الشخير وهو رجل جليل القدر إلا أن هذا إن صح عنه فهي من زلات العلماء . وقد حكي هذا القول عن أبي العباس بن سريج أيضا . وحكاه بعض المالكية عن الشافعي أن من كان مذهبه الاستدلال بالنجوم ومنازل القمر لم يتبين له من جهة النجوم أن الهلال الليلة وغم عليه جاز له أن يعتقد الصيام ويبيته ويجزئه وهذا باطل عن الشافعي لا أصل له عنه . بل المحفوظ عنه خلاف ذلك كمذهب الجماعة . وإنما كان قد حكى ابن سريج وهو كان من أكابر أصحاب الشافعي نسبة ذلك إليه إذ كان هو القائم بنصر مذهبه .

واحتجاج هؤلاء بحديث ابن عمر في غاية الفساد مع أن ابن عمر هو الراوي عن النبي صلى الله عليه وسلم { إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب } فكيف يكون موجب حديثه العمل بالحساب . وهؤلاء يحسبون مسيره في ذلك الشهر ولياليه . وليس لأحد منهم طريقة منضبطة أصلا بل أية طريقة سلكوها فإن الخطأ واقع فيها أيضا فإن الله سبحانه لم يجعل لمطلع الهلال حسابا مستقيما بل لا يمكن أن يكون إلى رؤيته [ ص: 183 ] طريق مطرد إلا الرؤية وقد سلكوا طرقا كما سلك الأولون منهم من لم يضبطوا سيره إلا بالتعديل الذي يتفق الحساب على أنه غير مطرد . وإنما هو تقريب مثل أن يقال : إن رئي صبيحة ثمان وعشرين فهو تام وإن لم ير صبيحة ثمان فهو ناقص . وهذا بناء على أن الاستسرار لليلتين وليس بصحيح بل قد يستسر ليلة تارة وثلاث ليال أخرى .

وهذا الذي قالوه إنما هو بناء على أنه كل ليلة لا يمكث في المنزلة إلا ستة أسباع ساعة لا أقل ولا أكثر . فيغيب ليلة السابع نصف الليل ويطلع ليلة أربعة عشر من أول الليل إلى طلوع الشمس وليلة الحادي والعشرين يطلع من نصف الليل وليلة الثامن والعشرين إن استسر فيها نقص وإلا كمل وهذا غالب سيره وإلا فقد يسرع ويبطئ .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث