الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


1551 [ ص: 7 ] 41 - كتاب الحدود

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما ( 1 ) باب ما جاء في الرجم

1525 - مالك عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ؛ أنه قال : جاءت اليهود إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا ، فقال لهم [ ص: 8 ] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما تجدون في التوراة في شأن الرجم ؟ " . فقالوا : نفضحهم ويجلدون ، فقال عبد الله بن سلام : كذبتم . إن فيها [ ص: 9 ] الرجم فأتوا بالتوراة فنشروها ، فوضع أحدهم يده على آية الرجم . ثم قرأ ما قبلها وما بعدها ، فقال له عبد الله بن سلام : ارفع يدك ، فرفع يده ، فإذا فيها آية الرجم . فقالوا : صدق يا محمد فيها آية الرجم ، فأمر بهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرجما .

فقال عبد الله بن عمر : فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها [ ص: 10 ] الحجارة .

35113 - قال مالك : يعني يحني يكب عليها حتى تقع الحجارة عليه .

التالي السابق


35114 - قال أبو عمر : كذا رواه يحيى ، عن مالك ، يحني على المرأة . يريد : يميل عليها ، كأنه مأخوذ من حنى الشيخ ، إذا انحنى .

35115 - وقال أبو عبيد : كذا يرويه أهل الحديث ، وإنما هو : يجنأ مهموز ، يقال منه جنأ يجنأ جنأ وجنوءا ، إذا مال ، والمنحنئ ، والانحناء ، حنأ ويحنأ . بمعنى واحد .

[ ص: 11 ] 35116 - قال أبو عمر : قد روي : يحنئ بالحاء عن طائفة من أصحاب مالك ، والمعنى متقارب جدا .

35117 - وقال أيوب ، عن نافع : يحانئ عنها بيده .

35118 - وقال معمر ، عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر : يجافي بيده .

35119 - وفي هذا الحديث جواز سؤال أهل الكتاب عن كتابهم ، وفى ذلك دليل على أن التوراة صحيحة بأيديهم ؛ ولولا ذلك ما سألهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنها .

35120 - ‌وفيما ذكرنا دليل على أن ما كانوا يكتبونه بأيديهم ، ثم يقولون : هذا من عند الله ، هي كتب أحبارهم ورهبانهم ؛ كانوا يصنعون لهم كتبا من آرائهم ، ويضيفونها إلى الله عز وجل ؛ ولهذا ، وشبهه من إشكال أمرهم نهينا عن تصديق ما حدثونا به ، وعن تكذيبه ؛ حذرا من أن نصدق بباطل ، أو نكذب بحق ، وقد أفردنا لهذا المعنى بابا في كتابنا ( كتاب بيان العلم وفضله ) 0

35121 - وفي هذا الحديث أيضا دليل على أن من اليهود قوما يكذبون على توراتهم ، ويسترون منها عن المسلمين ما يشهد للمسلمين ، ويوافق دينهم ؛ لأنهم ذكروا أن الزناة - محصنين كانوا ، أو غير محصنين - ليس عليهم في التوراة رجم ، وكذبوا ؛ لأن فيها على من أحصن الرجم .

[ ص: 12 ] 35122 - وفيه أن أهل الكتاب ، إذا ارتفعوا إلينا متحاكمين ، راضين بحكمنا فيهم ، وكانت شريعتنا موافقة في ذلك لحكم شريعتهم ، جاز لنا أن نظهر عليهم بكتابهم حجة عليهم ، وإن لم تكن الشريعة في ذلك الحكم موافقة لحكمهم ، حكمنا بينهم بما أنزل الله تعالى في كتابه القرآن ، إذا تحاكموا إلينا ، ورضوا بحكمنا ، ويتحمل ذلك أن يكون خصوصا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - والإجماع على أن ذلك ، لم يعمل به أحد بعده ، ولقول الله عز وجل : ( أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم ) [ العنكبوت : 51 ] والله أعلم .

35123 - واختلف العلماء في الحكم بينهم ، إذا ترافعوا إلينا ، في خصوماتهم وسائر مظالمهم وأحكامهم ؛ هل علينا أن نحكم بينهم فرضا واجبا ؟ أم نحن فيه مخيرون ؟ . 35124 - فقال جماعة من فقهاء الحجاز ، والعراق ؛ إن الإمام ، والحاكم يخير ؛ إن شاء حكم بينهم إذا تحاكموا إليه بحكم الإسلام ، وإن شاء أعرض عنهم .

35125 - وقالوا : إن هذه الآية محكمة ، لم ينسخها شيء . قوله تعالى : ( فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين ) [ المائدة 42 ] .

35126 - وممن قال ذلك ؛ مالك ، والشافعي أحد القولين .

35127 - وهو قول عطاء ، والشعبي ، والنخعي .

[ ص: 13 ] 35128 - وروي ذلك عن ابن عباس ، من حديث ابن إسحاق ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، في قوله تعالى : ( فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم . . . ) الآية [ المائدة : 42 ] قال : نزلت في بنى قريظة ، وهي محكمة .

35129 - وذكر وكيع ، عن سفيان ، عن مغيرة ، عن الشعبي ، وإبراهيم : ( فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ) الآية [ المائدة : 42 ] قال : إن شاء حكم ، وإن لم يشأ لم يحكم .

35130 - وروى عيسى ، عن ابن القاسم ، قال : إن تحاكم أهل الذمة إلى حكم المسلمين ، ورضي الخصمان به جميعا ، فلا يحكم بينهم إلا برضى من أساقفتهم ، فإن كره ذلك أساقفتهم ، فلا يحكم بينهم ، وكذلك إن رضي الأساقفة ، ولم يرض الخصمان ، أو أحدهما ، لم يحكم بينهم المسلمون .

35131 - وذكر عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري قال : مضت ‌السنة أن [ ص: 14 ] يرد أهل الذمة في حقوقهم ، ومعاملاتهم ، ومواريثهم ، إلى أهل دينهم ، إلا أن يأتوا راغبين ، فيحكم بينهم حاكمنا بكتاب الله عز وجل ؛ ( وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين ) الآية [ المائدة : 42 ] .

3532 - وعن الثوري ، عن قابوس بن أبي ظبيان ، عن أبيه ، قال : كتب محمد بن أبي بكر إلى علي - رضي الله عنه - يسأله عن مسلم زنى بنصرانية ، فكتب إليه : أقم الحد على المسلم ، ورد النصرانية إلى أهل دينها .

35133 - وقال آخرون : واجب على الحاكم أن يحكم بينهم بما أنزل الله إليه إذا تحاكموا إليه ، وزعموا أن قوله عز وجل : ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم ) الآية [ المائدة : 49 ] ناسخ للتخيير في الحكم بينهم في الآية التي قبل هذه .

35134 - وروي ذلك عن ابن عباس ، من حديث سفيان بن حسين ، والحكم ، عن مجاهد ، عن ابن عباس .

35135 - ومنهم من يرويه عن سفيان بن حسين عن الحكم ، عن مجاهد من قوله ، وهو صحيح عن مجاهد ، وعكرمة .

[ ص: 15 ] 35136 - وبه قال الزهري ، وعمر بن عبد العزيز ، والسدي .

35137 - وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه .

35138 - وهو أحد قولي الشافعي .

35139 - وبه قال أبو حنيفة ؛ قال : إذا جاءت المرأة والزوج ، فعليه أن يحكم بينهما بالعدل ، وإن جاءت المرأة وحدها ، ولم يرض الزوج ، لم يحكم .

35140 - وقال أبو يوسف ، ومحمد : بل يحكم .

35141 - وكذلك اختلف أصحاب مالك ، على هذين القولين ، إذا شكا أحد الزوجين ، وأبى صاحبه من التحاكم إلينا ؛ فمنهم من قال : يحكم ؛ لأنه من التظالم الذي لم يلزمه أن يمنع منه بعضهم من بعض .

35142 - ومنهم من قال : لا يحكم بينهما : إلا أن يرضيا جميعا بحكمه .

35143 - ولم يختلف قول مالك وأصحابه في الذمي يسرق الذمية ، ويرفع إلى حاكم المسلمين ، أنه يلزمه الحكم بينهما بالقطع للسارق منهما ؛ لأن ذلك من الحرابة والفساد ، فلا يقرون عليه ، ولا على التلصص .

35144 - وقال الشافعي : ليس الحاكم بالخيار ، في أحد من المعاهدين الذين يجري عليهم حكم الإسلام ، إذا جاءه في حد لله - عز وجل - وعليه أن يقيمه ؛ لقول الله عز وجل : ( وهم صاغرون ) الآية [ التوبة : 29 ] .

35145 - واختاره المزني ، وقال في كتاب الحدود : لا يحدون إذا جاءوا إلينا في [ ص: 16 ] حد الله تعالى ، ويردهم الحاكم إلى أهل دينهم .

35146 - قال الشافعي : وما كانوا يدينون به ، فلا يحكم عليهم بإبطاله ، إذا لم يرتفعوا إلينا ، ولا يكفوا عما استحلوا ، ما لم يكن ضررا على مسلم ، أو معاهد ، أو مستأمن .

35147 - قال : وإن جاءت امرأة تستعدي بأن زوجها طلقها ، أو آلى منها ، حكمه حكم المسلمين .

35148 - قال أبو عمر : الصحيح في النظر - عندي - أن لا يحكم بنسخ شيء من القرآن ، إلا بما قام به الدليل ، الذي لا مدفع له ، ولا يحتمل التأويل ، وليس في قوله عز وجل : ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) الآية [ المائدة : 49 ] دليل على أنها ناسخة لقوله عز وجل : ( فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ) الآية [ المائدة : 42 ] ؛ لأنها تحتمل معناها أن تكون : وأن احكم بينهم بما أنزل الله ، إن حكمت ، ولا تتبع أهواءهم ، فتكون الآيتان محكمتين ، مستعملتين ، غير متدافعتين .

35149 - نقف على هذا الأصل في نسخ القرآن بعضه ببعض ؛ لأنه لا يصح إلا بإجماع لا تنازع فيه ، أو لسنة لا مدفع لها ، أو يكون التدافع في الآيتين غير ممكن فيهما استعمالهما ، ولا استعمال أحدهما ، أن لا يدفع الأخرى ، فيعلم أنها ناسخة لها ، وبالله التوفيق .

[ ص: 17 ] 35150 - واختلف الفقهاء أيضا في اليهودين من أهل الذمة ، إذا زنيا ، هل يحدان إذا رفعهما حكامهم إلينا ، أم لا ؟ .

35151 - فقال مالك : إذا زنا أهل الذمة ، أو شربوا الخمر فلا يعرض لهم الإمام ، إلا أن يظهروا ذلك في ديار المسلمين ، فيدخلوا عليهم الضرر ، فيمنعهم السلطان من الإضرار بالمسلمين .

35152 - وإنما رجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اليهوديين ؛ لأنه لم يكن لليهود - يومئذ - ذمة ، وتحاكموا إليه .

35153 - وقال أبو حنيفة وأصحابه : يحدان إذا زنيا ، كحد المسلم .

35154 - وهو أحد قولي الشافعي ؛ قال في كتاب الحدود : إن تحاكموا إلينا فلنا أن نحكم أو ندع ، فإن حكمنا حددنا المحصن بالرجم ؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجم يهوديين زنيا ، وجلدنا البكر مائة ، وغربناه عاما .

35155 - وقال في كتاب الجزية : لا خيار للإمام ، ولا للحاكم ، إذا جاءه في حد الله - عز وجل - وعليه أن يقيمه عليهم ؛ في قول الله - عز وجل : ( حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) الآية [ التوبة : 29 ] والصغار أن يجري عليهم حكم الإسلام .

35156 - وهذا القول ، اختاره المزني ، واختار غيره من أصحاب الشافعي القول الأول .

35157 - وقال الطحاوي ، حين ذكر قول مالك : إنما رجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 18 ] اليهوديين ؛ لأنه لم تكن لهم ذمة ، وتحاكموا إليه .

35158 - قال : ولو لم يكن واجبا عليهم ؛ لما أقامه النبي صلى الله عليه وسلم .

35159 - قال : وإذا كان من لا ذمة له ، قد حده النبي - صلى الله عليه وسلم - في الزنا ، فمن له ذمة أحرى بذلك .

35160 - قال : ولم يختلفوا أن الذمي يقطع في السرقة .

35161 - قال أبو عمر : سنذكر اختلافهم في حد الإحصان ، في موضعه من هذا الكتاب ، إن شاء الله عز وجل .

35162 - وقالت طائفة ممن رأى آية التخيير في الحكم بين أهل الذمة منسوخة لقول الله عز وجل : ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) الآية [ المائدة : 49 ] ، قالوا على الإمام ، إذا علم من أهل الذمة حدا من حدود الله - عز وجل - أن يقيمه عليهم وإن لم يتحاكموا إليه ؛ لأن الله تعالى يقول : ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) الآية [ المائدة : 49 ] ولم يقل : إن تحاكموا إليك .

35163 - قالوا : والسنة تبين ذلك .

35164 - واحتجوا بحديث البراء بن عازب في ذلك ، وقد ذكرناه في " التمهيد " ، وليس فيه بيان ما ذكروا ، ولا يثبت ما ادعوا .

[ ص: 19 ] 35165 - واحتجوا أيضا بحديث مالك ، وليس فيه أن اليهود تحاكموا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذا ليس بشيء ؛ لأن فيه أن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يأتوا إلا متحاكمين إليه ، راضين بحكمه ، وهم كانوا الذين إليهم إقامة الحدود عندهم ، ودعوه إلى الحكم بينهم ، وجاءوه بالتوراة إذ دعاهم إليها .

35166 - ويدل على ذلك أيضا حديث أبي هريرة ، من رواية ابن شهاب ، وغيره وعن رجل من مزينة ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، وقد ذكرناه بطوله من طرق في " التمهيد " .

[ ص: 20 ] 35167 - وقد ذكرنا هناك حديث الشعبي ، عن جابر ، في هذا المعنى ، حدثناه عبد الله بن محمد ، قال : حدثني محمد بن بكر ، قال : حدثني أبو داود ، قال حدثني : يحيى بن موسى ، قال : حدثني أبو أسامة ، قال : أخبرنا مجالد ، عن عامر ، عن جابر بن عبد الله ، قال : جاءت يهود بامرأة ورجل منهم زنيا ؛ فقال : " ائتوني بأعلم رجلين منكم " . فأتوه بابني صوريا ، فنشدهما كيف تجدان أمر هذين في التوراة ؟ قالا : نجد في التوراة : إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة ، رجما . قال : فما منعكما أن ترجماهما ؟ . قال : ذهب سلطاننا ، فكرهنا القتل ، فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالشهود ، فجاء أربعة ، فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها ، كالميل في المكحلة ، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برجمهما .

35168 - قال أبو عمر : يحتمل أن يكون الشهود مسلمين ، وهو الأظهر في هذا الخبر ، ولذلك تحاكموا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والله أعلم .

[ ص: 21 ] 35169 - وروى شريك ، عن سماك بن حرب ، عن جابر بن سمرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجم يهوديا ويهودية .

35170 - انفرد به شريك ، عن سماك .

35171 - وأخبرنا أحمد بن عبد الله ، قال : حدثنا الحسن بن إسماعيل ، قال : حدثني عبد الملك بن محمد ، قال : حدثني محمد بن إسماعيل السائغ ، قال : حدثني سنيد ، عن هشيم ، عن العوام بن حوشب ، عن إبراهيم التيمي ؛ وإن حكمت بينهم ، فاحكم بالقسط ، يعني بالرجم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث