الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل اشتمال الكتب الإلهية على الأسماء والصفات أكثر من اشتمالها على ما عداه

فصل

اشتمال الكتب الإلهية على الأسماء والصفات أكثر من اشتمالها على ما عداه

وذلك لشرف متعلقها وعظمته ، وشدة الحاجة إلى معرفته ، فكانت الطرق إلى تحصيل معرفته أكثر وأسهل وأبين من غيره ، وهذا من كمال حكمة الرب تبارك وتعالى وتمام نعمته وإحسانه أنه كلما كانت حاجة العباد إلى الشيء أقوى كان بذله لهم أكثر وأسهل ، وهذا في الخلق والأمر ، فإن حاجتهم لما كانت إلى الهواء أكثر من الماء في القوت كان موجودا معهم في كل مكان وزمان ، وهو أكثر من غيره ، وكذلك لما كانت حاجتهم إلى الماء شديدة ، إذ هو مادة أقواتهم وفواكههم وشرابهم كان مبذولا لهم أكثر من غيره ، وهكذا الأمر في مراتب الحاجات ، ومعلوم أن حاجتهم إلى معرفة ربهم وفاطرهم فوق مراتب هذه الحاجات كلها ، فإنه لا سعادة لهم ولا فلاح ولا صلاح ولا [ ص: 59 ] نعيم إلا بأن يعرفوه ويعتقدوه ، ويكون هو وحده غاية مطلوبهم ، والتقرب إليه قرة عيونهم ، فمتى فقدوا ذلك كانوا أسوأ حالا من الأنعام ، وكانت الأنعام أطيب عيشا منهم في العاجل وأسلم عاقبة في الآجل .

وإذا علم أن ضرورة العبد إلى معرفة ربه فوق كل ضرورة كانت العناية ببيانها أيسر الطرق وأهداها وأبينها ، وإذا سلط التأويل على النصوص المشتملة عليها فتسليطه على النصوص التي ذكرت فيها الملائكة أقرب بكثير ، فإن الله تعالى لم يذكر لعباده من صفة الملائكة وشأنهم وأفعالهم عشر معشار ما ذكر لهم من نعوت جلاله وصفات كماله ، فإذا كانت هذه قابلة للتأويل فالآيات التي ذكر فيها الملائكة أولى بذلك ، ولذلك تأولها الملاحدة كما تأولوا نصوص المعاد واليوم الآخر ، وأبدوا لها تأويلات ليست بدون تأويلات الجهمية لنصوص الصفات ، وأولت هذه الطائفة عامة نصوص الأخبار الماضية والآتية ، وقالوا للجهمية : بيننا وبينكم حاكم العقل ، فإن القرآن ، بل الكتب المنزلة مملوءة بذكر الفوقية وعلو الله على عرشه ، وأنه تكلم ويتكلم وأنه موصوف بالصفات وأن له أفعالا تقوم به وهو بها فاعل وأنه يرى بالأبصار ، إلى غير ذلك من نصوص آيات الصفات وأخبارها التي إذا قيس إليها نصوص حشر هذه الأجساد وخراب هذا العالم وإعدامه لإنشاء عالم آخر ، وجدت نصوص الصفات أضعاف أضعافها ، حتى قيل : إن الآيات والأخبار الدالة على علو الرب على خلقه واستوائه على عرشه تقارب الألوف ، وقد أجمعت عليها الرسل من أولهم إلى آخرهم ، فما الذي سوغ لكم تأويلها وحرم علينا تأويل نصوص حشر الأجساد وخراب العالم ؟

فإن قلتم : الرسل أجمعوا على المجيء به ، فلا يمكن تأويله ، قيل : وقد أجمعوا أنه استوى فوق عرشه وأنه تكلم ومتكلم وأنه فاعل حقيقة موصوف بالصفات ، فإن منع إجماعهم هناك من التأويل وجب أن يمنع هنا .

فإن قلتم : أوجب تأويل نصوص آيات الصفات ولم يوجب تأويل نصوص المعاد ، قلنا : هاتوا أدلة العقول التي بها الصفات ، ونحضر أدلة العقول التي بها المعاد وحشر الأجساد ، ونوازن بينها ليتبين أيها أقوى .

فإن قلتم : إنكار المعاد تكذيب لما علم من الإسلام بالضرورة ، قلنا : أيضا إنكار صفات الرب وأنه يتكلم ، وأنه فوق سماواته ، وأن الأمر ينزل من عنده تكذيب لما علم أنهم جاءوا به ضرورة .

[ ص: 60 ] فإن قلتم : تأويلنا للنصوص التي جاءوا بها لا يستلزم تكذيبهم ، قلنا : فمن أين صار تأويلنا للنصوص التي جاءوا بها في الميعاد يستلزم تكذيبهم دون تأويلكم : ألمجرد التشهي ؟

فصاحت القرامطة والملاحدة والباطنية وقالوا : ما الذي سوغ لكم تأويل الأخبار وحرم علينا تأويل الأمر والنهي والتحريم والإيجاب ، ومورد الجميع عن مشكاة واحدة ؟ قالوا : وأين تقع نصوص الأمر والنهي من نصوص الخبر ؟ قالوا : وكثير منكم قد فتحوا لنا باب التأويل في الأمر ، فأولوا أوامر ونواهي كثيرة صريحة الدلالة أو ظاهرة الدلالة في معناها بما يخرجها عن حقائقها ، فهلم نضعها في كفة ونضع تأويلاتنا في كفة ونوازن بينها ، ونحن لا ننكر أنا أكثر تأويلا منهم ، ولكنا وجدنا بابا مفتوحا فدخلناه .

فهذه من شؤم جناية التأويل على الإيمان والإسلام ، وقد قيل : إن طرد إبليس ولعنه إنما كان بسبب التأويل ، فإنه عارض النص بالقياس وقدمه عليه ، وتأول لنفسه أن هذا القياس العقلي مقدم على نص الأمر بالسجود ، فإنه قال : ( أنا خير منه ) وهذا دليل قد حذفت إحدى مقدمتيه ، وهي : أن الفاضل لا يخضع للمفضول ، وطوى ذكر هذه المقدمة كأنها صورة معلومة ، وقرر المقدمة الأولى بقوله : ( خلقتني من نار وخلقته من طين ) فكان نتيجة المقدمتين امتناعه من السجود ، وظن أن هذه الشبهة العقلية تنفعه بتأويله فجرى عليه ما جرى ، وصار إماما لكل من عارض نصوص الوحي بتأويله إلى يوم القيامة .

فلا إله إلا الله والله أكبر ، كم لهذا الإمام اللعين من أتباع من العالمين ، وأنت إذا تأملت عامة شبه المتأولين رأيتها من جنس شبهته ، والقائل : إذا تعارض العقل والنقل [ ص: 61 ] قدمنا العقل ، من هنا اشتق هذه القاعدة وجعلها أصلا لرد نصوص الوحي التي يزعم أن العقل يخالفها ، وعرضت هذه الشبهة لعدو الله من جهة كبره الذي منعه من الانقياد المحض لنصوص الوحي ، وهكذا إلحاده في نصوص الوحي إنما يحمله على ذلك كبر في صدره ما هو ببالغه ، قال الله تعالى : ( إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير ) وكذلك خروج آدم من الجنة إنما كان بالتأويل ، وإلا فهو صلى الله عليه وسلم لم يقصد بالأكل معصية الرب ، ثم اختلف الناس في وجه تأويله ، فقالت طائفة : تأول بحمله النهي المطلق على الشجرة المعينة ، وغره عدو الله بأن جنس تلك الشجرة هي شجرة الخلد وأطمعه في أنه إن أكل منها لم يخرج من الجنة ، وفي هذا نظر ظاهر ، فإن الله تعالى أخبر أن إبليس قال له : ( ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ) فذكر لهما عدو الله الشجرة التي نهيا عنها ، إما بعينها أو بجنسها ، وصرح لهما بأنها هي المنهي عنها ، ولو كان عند آدم أن المنهي عنه تلك الشجرة المعينة دون سائر النوع لم يكن عاصيا بأكله من غيره ، ولا أخرجه الله من الجنة ونزع عنه لباسه .

وقالت فرقة أخرى : تأول آدم أن النهي نهي تنزيه لا نهي تحريم فأقدم ، وأيضا فحيث نهى الله تعالى عن فعل الشيء بقربانه لم يكن أصلا لتحريم كقوله : ( ولا تقربوهن حتى يطهرن ) ( ولا تقربوا الزنا ) ( ولا تقربوا مال اليتيم ) وأيضا لو كان للتنزيه لما أخرجه الله من الجنة ، وأخبر أنه عصى ربه .

وقالت طائفة : بل كان تأويله أن النهي إنما كان عن قربانهما وأكلهما معا ، لا عن أكل كل منهما على انفراده ، لأن قوله : ( ولا تقربا ) نهي لهما عن الجمع ، ولا يلزم من حصول النهي حال الاجتماع حصوله حال الانفراد ، وهذا التأويل ذكره ابن الخطيب في تفسيره ، وهو كما ترى في البطلان والفساد ، ونحن نقطع أن هذا [ ص: 62 ] التأويل لم يخطر بقلب آدم وحواء ألبتة ، وهما كانا أعلم بالله من ذلك وأصح أفهاما ، أفترى فهم أحد من قول الله تعالى : ( ولا تقربوا الزنا ) ( ولا تقربوا مال اليتيم ) ونظائره ، أي إنما نهيتكم عن اجتماعكم على ذلك دون انفراد كل واحد منكم به ؟ فيا للعجب من أوراق وقلوب تسود على هذه الهذيانات .

والصواب أن يقول : إن آدم لما قاسمه عدو الله أنه ناصح له ، وأخرج الكلام على أنواع متعددة من التأكد : أحدها : القسم ، الثاني : الإتيان بجملة اسمية لا فعلية ، والثالث : تصديرها بأداة التأكد ، الرابع : الإتيان بلام التشديد في الخبر ، الخامس : الإتيان به اسم فاعل لا فعلا دالا على الحديث ، والسادس : تقديم المعمول فيه ، ولم يكن آدم يظن أن أحدا يقسم بالله كاذبا غموسا يتجرأ فيها هذه الجرأة ، فغره عدو الله بهذا التأكد ، فظن آدم صدقه ، وأنه إن أكل منها لم يخرج من الجنة ورأى أن الأكل ، وإن كان فيه مفسدة ، فمصلحة الخلود أرجح ، ولعله يتهيأ له استدراك مفسدة النهي في أثناء ذلك ، إما باعتذار وإما بتوبة ، كما تجد هذا التأويل قائما في نفس كل مؤمن أقدم على المعصية .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث