الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل لا خلاف أن قدر زكاة التجارة ربع العشر

جزء التالي صفحة
السابق

فصل

لا خلاف أن قدر زكاة التجارة ربع العشر كالنقد ، ومن أين يخرج ؟ فيه ثلاثة أقوال ، المشهور الجديد : يخرج من القيمة ، ولا يجوز أن يخرج من عين العرض ، والثاني : يجب الإخراج من العين ، ولا يجوز من القيمة ، والثالث : يتخير بينهما ، فلو اشترى بمائتي درهم مائتي قفيز حنطة أو بمائة وقلنا : يعتبر النصاب آخر الحول فقط ، وحال الحول وهي تساوي مائتي درهم ، فعلى المشهور : عليه خمسة دراهم ، وعلى الثاني : خمسة أقفزة وعلى الثالث : يتخير بينهما . فلو أخر إخراج الزكاة حتى نقصت قيمتها فعادت إلى مائة ، نظر ، إن كان ذلك قبل إمكان الأداء وقلنا : الإمكان شرط للوجوب ، فلا زكاة . وإن قلنا : شرط للضمان ، لزمه على المشهور درهمان ونصف ، وعلى الثاني : خمسة أقفزة ، وعلى الثالث : يتخير بينهما ، وإن كان بعد الإمكان ، لزمه على المشهور : خمسة دراهم ؛ لأن النقصان من ضمانه ، وعلى الثاني : خمسة أقفزة ، ولا يضمن نقصان القيمة مع بقاء العين كالغاصب ، وعلى الثالث : يتخير بينهما . ولو أخر فبلغت القيمة أربعمائة درهم ، فإن كان قبل إمكان الأداء وقلنا : هو شرط للوجوب - لزمه على المشهور عشرة دراهم ، وعلى الثاني : خمسة أقفزة ، وعلى الثالث : يتخير بينهما ، وإن قلنا : شرط الضمان ، لزمه على المشهور خمسة دراهم ، وعلى الثاني : خمسة أقفزة قيمتها خمسة دراهم ؛ لأن هذه الزيادة في ماله ومال المساكين ، وقال ابن أبي هريرة : يكفيه على هذا القول : خمسة أقفزة قيمتها خمسة دراهم ؛ لأن هذه الزيادة حدثت بعد وجوب الزكاة ، وهي محسوبة في الحول الثاني ، وعلى الثالث : يتخير بين الأمرين . ولو أتلف الحنطة بعد وجوب الزكاة وقيمتها مائتا درهم ، فصارت [ ص: 274 ] أربعمائة ، لزمه على المشهور خمسة دراهم ؛ لأنها القيمة يوم الإتلاف ، وعلى الثاني : خمسة أقفزة قيمتها عشرة دراهم ، وعلى الثالث : يتخير بينهما .

فرع فيما يقوم به مال التجارة

لرأس المال أحوال .

أحدها : أن يكون نقدا نصابا ، بأن يشتري عرضا بمائتي درهم ، أو عشرين دينارا ، فيقوم في آخر الحول به ، فإن بلغ به نصابا زكاه ، وإلا فلا . وإن كان الثاني غالب نقد البلد ، ولو قوم به لبلغ نصابا ، حتى لو اشترى بمائتي درهم عرضا ، فباعه بعشرين دينارا وقصد التجارة مستمر ، فتم الحول والدنانير في يده ، ولا تبلغ قيمتها مائتي درهم ، فلا زكاة . هذا هو المذهب المشهور . وعن صاحب التقريب حكاية قول أن التقويم أبدا يكون بغالب نقد البلد ، ومنه يخرج الواجب ، سواء كان رأس المال نقدا أم غيره ، وحكى الروياني هذا عن ابن الحداد .

الحال الثاني : أن يكون نقدا دون النصاب ، فوجهان أصحهما : يقوم بذلك النقد ، والثاني : بغالب نقد البلد كالعرض . وموضع الوجهين ما إذا لم يملك من جنس النقد الذي اشترى به ما يتم به النصاب ، فإن ملك ما يتم به النصاب ، بأن اشترى بمائة درهم عرضا وهو يملك مائة أخرى ، فلا خلاف أن التقويم بجنس ما ملك به ؛ لأنه اشترى ببعض ما انعقد عليه الحول ، وابتدأ الحول من حين ملك الدراهم .

قلت : لكن يجري فيه القول الذي حكاه صاحب التقريب ، والله أعلم .

[ ص: 275 ] الحال الثالث : أن يملك بالنقدين جميعا ، وهو على ثلاثة أضرب .

أحدها : أن يكون كل واحد نصابا ، فيقوم بهما على نسبة التقسيط يوم الملك . وطريقه : تقويم أحد النقدين بالآخر . مثاله ، اشترى بمائتي درهم وعشرين دينارا ، فينظر ، إن كان قيمة المائتين عشرين دينارا ، فنصف العرض مشترى بدراهم ، ونصفه بدنانير . وإن كانت قيمتها عشرة دنانير ، فثلثه مشرى بدراهم ، وثلثاه بدنانير . وهكذا يقوم في آخر الحول ، ولا يضم أحدهما إلى الآخر ، فلا تجب الزكاة إذا لم يبلغ واحد منهما نصابا وإن كانت بحيث لو قوم الجميع بأخذ النقدين لبلغ نصابا ، وحول كل واحد من المبلغين من حين ملك ذلك النقد .

الضرب الثاني : أن يكون كل واحد منهما دون النصاب ، فإن قلنا : ما دون النصاب ، كالعرض ، قوم الجميع بنقد البلد ، وإن قلنا : كالنصاب ، قوم ما ملكه بالدراهم بدراهم ، وما ملكه بالدنانير بدنانير .

الضرب الثالث : أن يكون أحدهما نصابا والآخر دونه ، فيقوم ما ملكه بالنقد الذي هو نصاب بذلك النقد ، وما ملكه بالنقد الآخر على الوجهين ، وكل واحد من المبلغين يقوم في آخر حوله وحول المملوك بالنصاب من حين ملك ذلك النقد ، وحول المملوك بما دونه من حين ملك العرض . وإذا اختلف جنس المقوم به ، فلا ضم كما سبق .

الحال الرابع : أن يكون رأس المال غير نقد ، بأن ملك بعرض قنية ، أو ملك بخلع أو نكاح بقصد التجارة وقلنا : يصير مال تجارة ، فيقوم في آخر الحول بغالب نقد البلد من الدراهم أو الدنانير . فإن بلغ به نصابا زكاه ، وإلا فلا ، وإن كان يبلغ بغيره نصابا . فلو جرى في البلد نقدان متساويان ، فإن بلغ بأحدهما نصابا دون الآخر قوم به ، وإن بلغ بهما فأوجه ، أصحها : يتخير المالك فيقوم [ ص: 276 ] بما شاء منهما ، والثاني : يراعي الأغبط للمساكين ، والثالث : يتعين التقويم بالدراهم ؛ لأنها أرفق ، والرابع : يقوم بالنقد الغالب في أقرب البلاد إليه .

الحال الخامس : أن يملك بالنقد وغيره بأن اشترى بمائتي درهم وعرض قنية ، فما قابل الدراهم يقوم بها ، وما قابل العرض ، يقوم بنقد البلد . فإن كان النقد دون النصاب ، عاد الوجهان . كما يجري التقسيط عند اختلاف الجنس ، يجري عند اختلاف الصفة ، كما لو اشترى بنصاب من الدنانير بعضها صحيح وبعضها مكسر ، وبينهما تفاوت ، فيقوم ما يخص الصحيح بالصحاح ، وما يخص المكسر بالمكسر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث