الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

فصل : وإن قال : غصبت هذا العبد من زيد ، لا بل من عمرو أو ملكته لعمرو وغصبته من زيد . لزمه دفعه إلى زيد ، ويغرم قيمته لعمرو . وإن قال غصبته من أحدهما بالتعيين . فيدفعه إلى من عينه له ويحلف للآخر . وإن قال : لا أعرف عينه . وصدقاه انتزع من يده ، وكانا خصمين فيه . وإن كذباه فالقول قوله مع يمينه . وإن أقر بألف في وقتين ، لزمه ألف واحد ، وإن أقر بألف من ثمن عبد ، ثم أقر بألف من ثمن فرس ، أو قرض ، لزمه ألفان وإذا ادعى رجلان دارا في يد غيرهما ، شركة بينهما بالسوية ، فأقر لأحدهما بنصفها ، فالمقر به بينهما ، وإن قال في مرض موته : هذه الألف لقطة ، فتصدقوا به . ولا مال له غيره ، لزم الورثة الصدقة بثلثه ، وحكي عن القاضي : أنه يلزمهم الصدقة بجميعه .

التالي السابق


فصل .

( وإن قال : غصبت هذا العبد من زيد ، لا بل من عمرو ) لزمه دفعه إلى زيد ; لإقراره له به . ولم يقبل رجوعه عنه ; لأنه حق لآدمي على ما سبق . ويغرم قيمته لعمرو ؛ ولأنه حال بينه وبين ملكه لإقراره به لغيره ، فلزمه ضمانه كما لو [ ص: 347 ] أتلفه ؛ ولأنه أضرب عن الأول وأثبت للثاني ، فلا يقبل الإضراب بالنسبة إلى الأول ; لأنه إنكار بعد إقرار . ويقبل بالنسبة إلى الثاني ; لأنه لا دافع له . فإذا تعذر تسليمه إليه من أجل تعلق حق الأول به ، تعين دفع القيمة إليه . وقيل : لا يغرم لعمرو شيئا . ( أو ملكته لعمرو وغصبته من زيد لزمه دفعه إلى زيد ) لإقراره له باليد . ( ويغرم قيمته لعمرو ) للحيلولة ، وهذا هو الأشهر .

والثاني : لا يلزمه لعمرو شيئا . قاله القاضي وابن عقيل ، وقدمه في " الكافي " ; لأنه لا تفريط منه ، إذ يجوز أن يكون ملكه لعمرو وهو في يد زيد بإجارة أو غيرها .

وقيل يلزمه دفعه إلى عمرو ، ويغرم قيمته لزيد ؛ لأنه لما أقر به لعمرو أولا لم يقبل إقراره باليد لزيد . قال المؤلف : وهذا وجه حسن .

وفي " المحرر " : هو الأصح ، ولا فرق بين التقديم والتأخير ، والمتصل والمنفصل . ذكره في " الشرح " .

قال في " المحرر " و " الرعاية " : وإن قال : غصبته من زيد ، وملكته لعمرو . وأخذه زيد ولم يضمن المقر لعمرو شيئا . زاد في " الرعاية " : في الأشهر .

فائدة : قال أحمد في رجل ، قال لآخر : استودعتك هذا الثوب . قال : صدقت . ثم قال : استودعنيه رجل آخر . فالثوب للأول ، ويغرم قيمته للآخر . ( وإن قال [ ص: 348 ] غصبته من أحدهما بالتعيين ) لأنه إقرار بمجمل ، ومن أقر بمجمل لزمه البيان ، ضرورة أن الحكم لا يقع إلا على معلوم ( فيدفعه إلى من عينه له ) لأنه هو المستحق . ( ويحلف للآخر ) إن ادعاه لتكون اليمين شيئا لثبوت رد العبد أو بدله ، ولا يغرم له شيئا ; لأنه لم يقر له بشيء . ( وإن قال : لا أعرف عينه . فصدقاه انتزع من يده ) لأنه ظهر بإقراره أنه لا حق له فيه ، ولم يتعين مستحقه . ( وكانا خصمين فيه ) لأن كلا منهما يدعيه . ( وإن كذباه فالقول قوله مع يمينه ) أنه لا يعلم ; لأنه منكر . وينتزع من يده . فإن كان لأحدهما بينة حكم له به . وإن لم تكن بينة أقرعنا بينهما ، فمن قرع صاحبه حلف وسلم إليه . وإن بين الغاصب بعد ذلك مالكها ، قبل منه ، كما لو بينه ابتداء . ويحتمل : أنه إذا ادعى كل واحد أنه المغصوب منه ، توجهت عليه اليمين لكل واحد منهما أنه لم يغصبه . فإذا حلف لأحدهما لزمه دفعه للآخر ; لأن ذلك يجري مجرى تعيينه . وإن نكل عن اليمين لهما ، سلمت إلى أحدهما . ( وإن أقر بألف في وقتين ، لزمه ألف واحد ) ؛ لأن الأصل براءة الذمة من الزائد ، والعرف شاهد بذلك ؛ ولأنه لو قال : رأيت زيدا . ثم قال : رأيت زيدا . كان الثاني هو الأول ، والرؤية إنما هي الرؤية أولا .

نظير ذلك : أن الله تعالى لما أخبر عن إرسال نوح وهود وصالح وشعيب وإبراهيم وموسى وعيسى ، وكرر ذلك في مواضع ، لم تكن القصة الثانية غير الأولى . ( وإن أقر بألف من ثمن عبد ، ثم أقر بألف من ثمن فرس ، أو قرض ، لزمه ألفان ) لاختلاف سببهما ، كقوله : رأيت زيدا الطويل . ثم قال : رأيت زيدا القصير . [ ص: 349 ] لم يكن الثاني الأول ألبتة . وكذا إن ذكر ما يقتضي التعدد ، كأجلين لهما ، أو سكنين ، أو صفتين ، لزمه ألفان .

كمن قال : قبضت ألفا يوم السبت ، وألفا يوم الأحد . بخلاف تعدد الأشهاد . فلو قيد أحدهما بسبب ، وأطلق الآخر ، حمل المطلق على المقيد ، ولزمه ألف واحدة مع اليمين .

ولو شهد بكل إقرار شاهد ، جمع قولهما لاتحاد المخبر عنه . ولا جمع في الأفعال .



( وإذا ادعى رجلان دارا في يد غيرهما ، شركة بينهما بالسوية ، فأقر لأحدهما بنصفها ، فالمقر به بينهما ) في قول أبي الخطاب ، وقدمه في " الرعاية " و " الفروع " ، وجزم به في " الشرح " ; لاعترافهما أن الدار لهما مشاعة ، فالنصف المقر بينهما كالباقي .

وقال القاضي ـ وجزم به في " الوجيز " ـ : إن أضافا الشركة إلى سبب واحد من إرث أو غنيمة أو شراء ونحوه ، ولم يكونا قبضاها بعد الملك لها فكذلك ، وإلا اختص المقر له بالمقر به ; لأن نصيب كل منهما يتعلق بنصيب الآخر . بدليل ما لو كان الميراث طعاما ، فهلك بعضه أو غصب ، كان الذاهب منهما ، والباقي بينهما ، فكذا الإقرار .

مسألة : إذا قال من العين في يده : النصف لي ، والباقي أجهل ربه . أخذ ما ادعى ، وفي الباقي أوجه .

ومن ادعى عينا في يد زيد ، فأقر بها لعمرو ، وكذبه عمرو ـ وإن أقر له [ ص: 350 ] بكلها ـ فالمقر له مقر لشريكه في الدعوى بالنصف . وإن كان ما أقر له بالشركة ، بل ادعى كلها خاصمه في النصف . فإن ادعى على عمرو وبكر عينا في أيديهما فصدقه أحدهما ، فنصيبه له . فإن صالحه عنه بمال صح . فإن طلب المنكر الشفعة أخذها إن تعدد سبب ملكيهما ، وإن اتحد فوجهان .


( وإن قال في مرض موته : هذه الألف لقطة ، فتصدقوا به . ولا مال له غيره ، لزم الورثة الصدقة بثلثه ) قاله أبو الخطاب ، وقدمه في " الرعاية " ، وجزم به في " الوجيز " ; لأنه جميع ماله ، فالأمر بالصدقة به وصية بجميع المال ، فلا يلزم منه إلا الثلث . وظاهره : لا فرق بين أن يصدقوه أو يكذبوه . ( وحكي عن القاضي : أنه تلزمهم الصدقة بجميعه ) هذه رواية ; لأن أمره بالصدقة به يدل على تعديه فيه على وجه يلزمهم الصدقة بجميعه ، فيكون ذلك إقرارا منه لغير وارث ، فيجب امتثاله . وكالإقرار في الصحة .

ولو قال فيها لوكيله : هذه الألف لقطة فتصدق بها . لزمه . فكذا إذا قال في مرضه .

والأول : أصح ; لأن الإقرار في المرض يفارق الإقرار في الصحة في أشياء .

والفرق : بين الوكيل والورثة ; لأنه مأمور بخلاف الورثة ، فإن تصدقهم بذلك يستلزم لزوم ضمانه عليهم . وجزم السامري بـ : إن قلنا ، قلنا : لا يملك [ ص: 351 ] اللقطة ، فبكله وإلا بثلثه إن ملكه بعد الحول .

فرع : إذا أعتق عبدا أو وهبه وليس له سواه ، ثم أقر بدين ، نفذ عتقه وهبته ، ولم ينقضا بإقراره ، نص عليه . وقيل : بلية ويباع فيه . وإن أقر مريض بدين ثم بوديعة أو بالعكس ، فرب الوديعة أحق بها .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث