الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( كتاب الغصب )

جمع محمد رحمه الله في كتاب الغصب بين مسائل الغصب وبين مسائل الإتلاف ، وبدأ بمسائل الغصب ، فنبدأ بما بدأ به [ ص: 143 ] فنقول وبالله التوفيق : معرفة مسائل الغصب في الأصل مبنية على معرفة حد الغصب ، وعلى معرفة حكم اختلاف الغاصب والمغصوب منه .

( أما ) حد الغصب فقد اختلف العلماء فيه قال أبو حنيفة وأبو يوسف رضي الله عنهما : هو إزالة يد المالك عن ماله المتقوم على سبيل المجاهرة والمغالبة بفعل في المال وقال محمد رحمه الله : الفعل في المال ليس بشرط ; لكونه غصبا وقال الشافعي رحمه الله : هو إثبات اليد على مال الغير بغير إذنه ، والإزالة ليست بشرط .

( أما ) الكلام مع الشافعي رحمه الله فهو احتج لتمهيد أصله بقوله سبحانه وتعالى : { وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا } جعل الغصب مصدر الأخذ ، فدل أن الغصب والأخذ واحد ، والأخذ : إثبات اليد ، إلا أن الإثبات إذا كان بإذن المالك يسمى : إيداعا وإعارة وإبضاعا في عرف الشرع ، وإذا كان بغير إذن المالك يسمى في متعارف الشرع : غصبا ، ولأن الغصب إنما جعل سببا لوجوب الضمان بوصف كونه تعديا ، فإذا وقع الإثبات بغير إذن المالك وقع تعديا ، فيكون سببا لوجوب الضمان بوصف كونه تعديا ، والدليل عليه : أن غاصب الغاصب ضامن ، وإن لم يوجد منه إزالة يد المالك لزوالها بغصب الغاصب الأول ، وإزالة الزائل محال ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

( ولنا ) الاستدلال بضمان الغصب من وجهين : أحدهما : أن المالك استحق إزالة يد الغاصب عن الضمان ، فلا بد وأن يكون الغصب منه إزالة يد المالك ; لأن الله تبارك وتعالى لم يشرع الاعتداء إلا بالمثل بقوله سبحانه وتعالى : { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } والثاني : أن ضمان الغصب لا يخلو إما أن يكون ضمان زجر ، وإما أن يكون ضمان جبر ، ولا سبيل إلى الأول ; لأنه يجب على من ليس من أهل الزجر ، ولأن الانزجار لا يحصل به ، فدل أنه : ضمان جبر ، والجبر يستدعي الفوات ، فدل أنه لا بد من التفويت لتحقق الغصب ، ولا حجة له في الآية ; لأن الله تعالى فسر أخذ الملك تلك السفينة بغصبه إياها ، كأنه قال سبحانه وتعالى : وكان وراءهم ملك يغصب كل سفينة وهذا لا يدل على أن كل أخذ غصب ، بل هي حجة عليه ; لأن غصب ذلك الملك كان إثبات اليد على السفينة مع إزالة أيدي المساكين عنها ، فدل على أن الغصب إثبات على وجه يتضمن الإزالة .

( وأما ) قوله : الغصب إنما أوجب الضمان لكونه تعديا فمسلم ، لكن التعدي في الإزالة لا في الإثبات ; لأن وقوعه تعديا بوقوعه ضارا بالمالك ، وذلك بإخراجه من أن يكون منتفعا به في حق المالك ، وإعجازه عن الانتفاع به ، وهو تفسير تفويت اليد وإزالتها .

( فأما ) مجرد الإثبات فلا ضرر فيه ، فلم يكن الإثبات تعديا ، وعلى هذا الأصل يخرج زوائد الغصب أنها ليست بمضمونة ، سواء كانت منفصلة كالولد واللبن والثمرة ، أو متصلة كالسمن والجمال ; لأنها لم تكن في يد المالك وقت غصب الأم ، فلم توجد إزالة يده عنها ، فلم يوجد الغصب .

وعند محمد مضمونة ; لأن الغصب عنده : إثبات اليد على مال الغير بغير إذن مالكه ، وقد وجد الغصب ، وهل تصير مضمونة عندنا بالبيع والتسليم والمنع أو الاستهلاك أو الاستخدام جبرا .

( أما ) المنفصلة : فلا خلاف بين أصحابنا رضي الله عنهم في أنها تصير مضمونة بها .

( وأما ) المتصلة : فذكر في الأصل أنها تصير مضمونة بالبيع والتسليم ، ولم يذكر الخلاف ، وصورة المسألة : إذا غصب جارية قيمتها ألف درهم ، فازدادت في بدنها خيرا حتى صارت قيمتها ألفي درهم فباعها ، وسلمها إلى المشتري فهلكت في يده ، فالمالك بالخيار إن شاء ضمن المشتري قيمتها ألفي درهم ، وإن شاء ضمن البائع ، فإن اختار تضمين المشتري ضمنه قيمتها يوم القبض ألفي درهم ، وإن اختار تضمين البائع ضمنه بالبيع والتسليم قيمتها ألفي درهم أيضا ، كذا ذكر في الأصل ، ولم يذكر الخلاف .

وحكى ابن سماعة عن محمد رحمهما الله الخلاف : أن على قول أبي حنيفة رحمه الله إن شاء ضمن المشتري قيمتها يوم القبض ألفي درهم ، وإن شاء ضمن الغاصب قيمتها يوم الغصب ألف درهم ، وليس له أن يضمنه زيادة بالبيع والتسليم وكذا ذكره الحاكم الشهيد في المنتقى ، وحكى الخلاف ، وهكذا ذكر الطحاوي في مختصره ، إلا أنه ذكر الاستهلاك مطلقا ، فقال : إلا أن يستهلكها ، وفسره الجصاص في شرحه مختصر الطحاوي فقال : إلا أن يكون عبدا أو جارية فيقتل ، وهذا هو الصحيح ، أن المغصوب إذا كان عبدا أو جارية فقتله الغاصب خطأ يكون المالك بالخيار ، إن شاء ضمن الغاصب قيمته يوم الغصب ، وإن شاء ضمن عاقلة القاتل قيمته وقت القتل زائدة في ثلاث سنين .

( وجه ) قولهما أن البيع والتسليم غصب ; لأنه تفويت إمكان الأخذ ; لأن المالك [ ص: 144 ] كان متمكنا من أخذه منه قبل البيع والتسليم ، وبعد البيع والتسليم لم يبق متمكنا ، وتفويت إمكان الأخذ تفويت اليد معنى ، فكان غصبا موجبا للضمان ، وهذا لأن تفويت يد المالك إنما كان غصبا موجبا للضمان ; لكونه إخراج المال من أن يكون منتفعا به في حق المالك ، وإعجازه عن الانتفاع بماله ، وهذا يحصل بتفويت إمكان الأخذ فيوجب الضمان ، ولهذا يجب الضمان على غاصب الغاصب ومودع الغاصب والمشتري من الغاصب ، كذا هذا ولأبي حنيفة رضي الله عنه أن الأصل مضمون بالغصب الأول ، فلا يقع البيع والتسليم غصبا له ; لأن غصب المغصوب لا يتصور ، والزيادة المتصلة لا يتصور إفرادها بالغصب لتصير مغصوبة بالبيع والتسليم ، بخلاف الزيادة المنفصلة فإن إفرادها بالغصب بدون الأصل متصور ، فلم تكن مغصوبة بالغصب الأول لانعدامها ، فجاز أن تصير مغصوبة بالبيع والتسليم ، فهذا الفرق بين الزيادتين ، وبخلاف القتل ; لأن قتل المغصوب متصور ; لأن محل القتل غير محل الغصب ، فمحل القتل هو الحياة ، ومحل الغصب هو مالية العين ، فتحقق الغصب لا يمنع تحقق القتل ، إلا أن المضمون واحد ، والمستحق للضمان واحد ، فيخير ، ولأن الأصل مضمون بالغصب السابق لا شك فيه ، فيصير مملوكا للغاصب من ذلك الوقت بلا خلاف بين أصحابنا رحمهم الله .

( وأما ) الزيادة المتصلة : فالزيادة حصلت على ملك الغاصب ; لأنها نماء ملكه فتكون ملكه ، فكان البيع والتسليم والمنع والاستخدام والاستهلاك في غير بني آدم تصرفا في ملك نفسه ، فلا يكون مضمونا عليه ، كما لو تصرف في سائر أملاكه بخلاف الزيادة المنفصلة ; لأنا أثبتنا الملك بطريق الاستناد فالمستند يظهر من وجه ويقتصر على الحال من وجه ، فيعمل بشبهة الظهور في الزوائد المتصلة وبشبهة الاقتصار في المنفصلة ، إذ لا يكون العمل به على العكس ليكون عملا بالشبهين بقدر الإمكان .

( وأما ) على طريق الظهور المحض فتخريجهما مشكل والله تعالى الموفق ، بخلاف القتل ; لأن العبد إنما يضمن بالقتل من حيث إنه آدمي لا من حيث إنه مال ، والغاصب إنما ملكه بالضمان من وقت الغصب من حيث إنه مال لا من حيث إنه آدمي ; لأنه من حيث إنه آدمي لا يحتمل التملك ، فلم يكن هو بالقتل متصرفا في ملك نفسه ، لهذا افترقا والله سبحانه وتعالى أعلم .

ثم على أصلها : إذا اختار المالك تضمين البائع ، هل يثبت له الخيار بين أن يضمنه ألفي درهم وقت البيع ، وبين أن يضمنه ألف درهم وقت الغصب ، قال بعض مشايخنا : يثبت ، وهذا غير سديد ; لأن التخيير بين القليل والكثير عند اتحاد الذمة من باب السفه ، بخلاف التخيير بين البائع والمشتري عند أبي حنيفة رحمه الله ; لأن هناك الذمة مختلفة ، فمن الجائز أن يكون أحدهما مليا والآخر مفلسا ، فكان التخيير مفيدا وبخلاف القتل ; لأن ضمان القتل ضمان الدم وأنه مؤجل إلى ثلاث سنين ، وضمان الغصب ضمان المال وأنه حال ، فكان التخيير مفيدا ، ثم إذا ضمن المالك الغاصب قيمة المغصوب وقت الغصب أو وقت البيع والتسليم جاز البيع ; لأنه تبين أنه باع ملك نفسه والثمن له ; لأنه بدل ملكه وإن ضمن المشتري قيمته وقت القبض بطل البيع ورجع المشتري بالثمن على البائع ; لأنه تبين أنه أخذه بغير حق .

وليس له أن يرجع على البائع بالضمان .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث