الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

( ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسألن عما كنتم تفترون ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم )

قوله تعالى : ( ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسألن عما كنتم تفترون ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم )

اعلم أنه تعالى لما بين بالدلائل القاهرة فساد أقوال أهل الشرك والتشبيه ، شرح في هذه الآية تفاصيل أقوالهم وبين فسادها وسخافتها .

فالنوع الأول من كلماتهم الفاسدة : أنهم يجعلون لما لا يعلمون نصيبا وفيه مسألتان :

المسألة الأولى : الضمير في قوله ( لما لا يعلمون ) إلى ماذا يعود ؟ فيه قولان :

الأول : أنه عائد إلى المشركين المذكورين في قوله : ( إذا فريق منكم بربهم يشركون ) والمعنى أن المشركين لا يعلمون .

والثاني : أنه عائد إلى الأصنام أي : لا يعلم الأصنام ما يفعل عبادها .

قال بعضهم : الأول أولى لوجوه :

أحدها : أن نفي العلم عن الحي حقيقة وعن الجماد مجاز .

وثانيها : أن الضمير في قوله : ( ويجعلون ) عائد إلى المشركين ، فكذلك في قوله : ( لما لا يعلمون ) يجب أن يكون عائدا إليهم .

وثالثها : أن قوله : ( لما لا يعلمون ) جمع بالواو والنون ، وهو بالعقلاء أليق منه بالأصنام التي هي جمادات .

ومنهم من قال : بل القول الثاني أولى لوجوه .

الأول : أنا إذا قلنا إنه عائد إلى المشركين افتقرنا إلى إضمار ، فإن التقدير : ويجعلون لما لا يعلمون إلها ، أو لما لا يعلمون كونه نافعا ضارا ، وإذا قلنا : إنه عائد إلى الأصنام ، لم نفتقر إلى الإضمار لأن التقدير : ويجعلون [ ص: 44 ] لما لا علم لها ولا فهم .

والثاني : أنه لو كان العلم مضافا إلى المشركين لفسد المعنى ; لأن من المحال أن يجعلوا نصيبا من رزقهم لما لا يعلمونه ، فهذا ما قيل في ترجيح أحد هذين القولين على الآخر .

واعلم أنا إذا قلنا بالقول الأول افتقرنا فيه إلى الإضمار ، وذلك يحتمل وجوها :

أحدها : ويجعلون لما لا يعلمون له حقا ، ولا يعلمون في طاعته نفعا ولا في الإعراض عنه ضررا ، قال مجاهد : يعلمون أن الله خلقهم ويضرهم وينفعهم ، ثم يجعلون لما لا يعلمون أنه ينفعهم ويضرهم نصيبا .

وثانيها : ويجعلون لما لا يعلمون إلهيتها .

وثالثها : ويجعلون لما لا يعلمون السبب في صيرورتها معبودة .

ورابعها : المراد استحقار الأصنام حتى كأنها لقلتها لا تعلم .

المسألة الثانية : في تفسير ذلك النصيب احتمالات :

الأول : المراد منه أنهم جعلوا لله نصيبا من الحرث والأنعام يتقربون إلى الله تعالى به ، ونصيبا إلى الأصنام يتقربون به إليها ، وقد شرحنا ذلك في آخر سورة الأنعام .

والثاني : أن المراد من هذا النصيب : البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ، وهي قول الحسن .

والثالث : ربما اعتقدوا في بعض الأشياء أنه إنما حصل بإعانة بعض تلك الأصنام ، كما أن المنجمين يوزعون موجودات هذا العالم على الكواكب السبعة ، فيقولون لزحل كذا من المعادن والنبات والحيوانات ، وللمشتري أشياء أخرى فكذا ههنا .

واعلم أنه تعالى لما حكى عن المشركين هذا المذهب قال : ( تالله لتسألن ) وهذا في هؤلاء الأقوام خاصة بمنزلة قوله : ( فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون ) [ الحجر : 92 ] وعلى التقديرين فأقسم الله تعالى بنفسه أنه يسألهم ، وهذا تهديد منه شديد ; لأن المراد أنه يسألهم سؤال توبيخ وتهديد .

وفي وقت هذا السؤال احتمالان :

الأول : أنه يقع ذلك السؤال عند القرب من الموت ومعاينة ملائكة العذاب ، وقيل : عند عذاب القبر .

والثاني : أنه يقع ذلك في الآخرة ، وهذا أولى لأنه تعالى قد أخبر بما يجري هناك من ضروب التوبيخ عند المسألة ، فهو إلى الوعيد أقرب .

النوع الثاني من كلماتهم الفاسدة : أنهم يجعلون لله البنات ، ونظيره قوله تعالى : ( وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا ) [ الزخرف : 19 ] كانت خزاعة وكنانة تقول : الملائكة بنات الله . أقول : أظن أن العرب إنما أطلقوا لفظ البنات لأن الملائكة لما كانوا مستترين عن العيون أشبهوا النساء في الاستتار ، فأطلقوا عليهم لفظ البنات . وأيضا قرص الشمس يجري مجرى المستتر عن العيون بسبب ضوئه الباهر ونوره القاهر فأطلقوا عليه لفظ التأنيث ، فهذا ما يغلب على الظن في سبب إقدامهم على هذا القول الفاسد والمذهب الباطل .

ولما حكى الله تعالى عنهم هذا القول قال : ( سبحانه ) وفيه وجوه .

الأول : أن يكون المراد تنزيه ذاته عن نسبة الولد إليه .

والثاني : تعجيب الخلق من هذا الجهل القبيح ، وهو وصف الملائكة بالأنوثة ، ثم نسبتها بالولدية إلى الله تعالى .

والثالث : قيل في التفسير : معناه معاذ الله ، وذلك مقارب للوجه الأول .

ثم قال تعالى : ( ولهم ما يشتهون ) أجاز الفراء في " ما " وجهين :

الأول : أن يكون في محل النصب على معنى : ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون .

والثاني : أن يكون رفعا على الابتداء كأنه تم الكلام عند قوله : ( سبحانه ) ثم ابتدأ فقال ( ولهم ما يشتهون ) يعني : البنين ، وهو كقوله : ( أم له البنات ولكم البنون ) [ الطور : 39 ] ثم اختار الوجه الثاني وقال : لو كان نصيبا لقال : ولأنفسهم ما يشتهون ، لأنك تقول : جعلت لنفسك كذا [ ص: 45 ] وكذا ، ولا تقول : جعلت لك ، وأبى الزجاج إجازة الوجه الأول ، وقال : " ما " في موضع رفع لا غير ، والتقدير : ولهم الشيء الذي يشتهونه ، ولا يجوز النصب ; لأن العرب تقول : جعل لنفسه ما تشتهي ، ولا تقول : جعل له ما يشتهي وهو يعني نفسه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث