الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

باب ما جاء في الاكتحال

1757 حدثنا محمد بن حميد حدثنا أبو داود هو الطيالسي عن عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال اكتحلوا بالإثمد فإنه يجلو البصر وينبت الشعر وزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له مكحلة يكتحل بها كل ليلة ثلاثة في هذه وثلاثة في هذه قال وفي الباب عن جابر وابن عمر قال أبو عيسى حديث ابن عباس حديث حسن غريب لا نعرفه على هذا اللفظ إلا من حديث عباد بن منصور حدثنا علي بن حجر ومحمد بن يحيى قالا حدثنا يزيد بن هارون عن عباد بن منصور نحوه وقد روي من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال عليكم بالإثمد فإنه يجلو البصر وينبت الشعر [ ص: 365 ]

التالي السابق


[ ص: 365 ] قوله : ( اكتحلوا بالإثمد ) بكسر الهمزة والميم بينهما ثاء مثلثة ساكنة . وحكي فيه ضم الهمزة حجر معروف أسود يضرب إلى الحمرة يكون في بلاد الحجاز وأجوده يؤتى به من أصبهان . واختلف هل هو اسم الحجر الذي يتخذ منه الكحل أو هو نفس الكحل ذكره ابن سيده . وأشار إليه الجوهري كذا في الفتح . قال التوربشتي : هو الحجر المعدني وقيل هو الكحل الأصفهاني ينشف الدمعة والقروح ويحفظ صحة العين ويقوي غصنها لا سيما للشيوخ والصبيان ، وفي رواية : بالإثمد المروح ، وهو الذي أضيف إليه المسك الخالص . قاله الترمذي : وفي سنن أبي داود : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإثمد المروح عند النوم وقال ليتقه الصائم ، كذا في المرقاة ( فإنه يجلو البصر ) من الجلاء أي يحسن النظر ويزيد نور العين وينظف الباصرة لدفع المواد الرديئة النازلة إليها من الرأس ( وينبت ) من الإنبات ( الشعر ) بفتحتين ويجوز إسكان العين لكن قال ميرك الرواية بفتحها . قال القاري : ولعل وجهه مراعاة لفظ البصر وهو من المحسنات اللفظية البديعة والمناسبات السجعية ، ونظيره ورود المشاكلة في لا ملجأ ولا منجا . ورواية أذهب الباس رب الناس بإبدال همزة الباس ونحوهما ، والمراد بالشعر هنا الهدب وهو بالفارسية مره وهو الذي ينبت على أشفار العين . وعند أبي عاصم والطبري من حديث علي بسند حسن : عليكم بالإثمد فإنه منبتة للشعر مذهبة للقذى مصفاة للبصر ( وزعم ) أي ابن عباس وهو المفهوم من رواية ابن ماجه وروايات الترمذي في الشمائل أيضا وهو أقرب وبالاستدلال أنسب وقيل أي محمد بن حميد شيخ الترمذي قاله القاري .

قلت : الأول هو المتعين المعتمد ، يدل عليه رواية الترمذي في باب السعوط من أبواب الطب . ثم قال القاري : والزعم قد يطلق ويراد به القول المحقق ، وإن كان أكثر استعماله في المشكوك فيه أو في الظن الباطل . قال تعالى : زعم الذين كفروا ، وفي الحديث : بئس مطية الرجل زعموا على ما رواه أحمد وأبو داود عن حذيفة ، فإن كان الضمير لابن عباس عن ما هو المتبادر من السياق ، فالمراد به القول المحقق كقول أم هانئ عن أخيها علي رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم : زعم ابن أمي أنه قاتل فلان وفلان لاثنين من أصهارها أجرتهما فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أجرنا من أجرت " . وإن كان لمحمد بن حميد على ما زعم بعضهم فالزعم باق على حقيقته من معناه المتبادر إشارة إلى [ ص: 366 ] ضعف حديثه بإسقاط الوسائط بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم ، لكن الظاهر من العبارة أنه لو كان القائل ابن عباس لقيل وإن النبي ، ولم يكن لذكر زعم فائدة إلا أن يقال إنه أتى به لطول الفصل كما يقع عادة قال في كثير من العبارات ، وإيماء إلى الفرق بين الجملتين بأن الأولى حديث قولي والثانية حديث فعلي . هذا ويؤيده أن السيوطي جعل الحديث حديثين وقال : روى الترمذي وابن ماجه عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم كان له مكحلة يكتحل منها كل ليلة ثلاثة في هذه وثلاثة في هذه . ولما كان زعم تستعمل غالبا بمعنى ظن ضبط قوله : ( أن النبي ) صلى الله عليه وسلم بفتح الهمزة ( كانت له مكحلة ) بضمتين بينهما ساكنة اسم آلة الكحل ، وهو الميل على خلاف القياس والمراد هاهنا ما فيه الكحل ( يكتحل بها ) قال القاري كذا بالباء في بعض نسخ المشكاة وفي جميع روايات الشمائل بلفظ : منها فالباء بمعنى من كما قيل في قوله تعالى يشرب بها عباد الله ويمكن أن تكون الباء للسببية ( كل ليلة ) أي قبل أن ينام كما في رواية ، وعند النوم كما في أخرى ( ثلاثة ) أي ثلاث مرات متوالية ( في هذه ) أي اليمنى ( وثلاثة ) أي متتابعة ( في هذه ) أي اليسرى والمشار إليها عين الراوي بطريق التمثيل . وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم قال : من اكتحل فليوتر على ما رواه أبو داود . وفي الإيتار قولان أحدهما ما سبق وعليه الروايات المتعددة وهو أقوى في الاعتبار لتكرار تحقق الإيتار بالنسبة إلى كل عضو ، كما اعتبر التثليث في أعضاء الوضوء ، وثانيهما أن يكتحل فيهما خمسة ، ثلاثة في اليمنى ومرتين في اليسرى على ما روي في شرح السنة . وعلى هذا ينبغي أن يكون الابتداء والانتهاء باليمين تفضيلا لها على اليسار كما أفاده الشيخ مجد الدين الفيروزآبادي ، وجوز اثنين في كل عين وواحدة بينهما أو في اليمنى ثلاثا متعاقبة وفي اليسرى ثنتين فيكون الوتر بالنسبة إليهما جميعا ، وأرجحهما الأول لما ذكر من حصول الوتر شفعا مع أنه يتصور أن يكتحل في كل عين واحدة ، ثم وثم ويئول أمره إلى الوترين بالنسبة إلى العضوين لكن القياس على باب طهارة الأعضاء بجامع التنظيف والتزيين هو الأولى فتأمل .

قوله : ( وفي الباب عن جابر وابن عمر ) قال الحافظ في الفتح : وفي الباب عن جابر عند الترمذي في الشمائل وابن ماجه وابن عدي من ثلاث طرق عن ابن المنكدر عنه بلفظ : عليكم [ ص: 367 ] بالإثمد فإنه يجلو البصر وينبت الشعر ، وعن علي عند ابن أبي عاصم والطبراني ولفظه : عليكم بالإثمد فإنه منبتة للشعر مذهبة للقذى مصفاة للبصر وسنده حسن . وعن ابن عمر بنحوه عند الترمذي في الشمائل ، وعن أنس في غريب مالك للدارقطني بلفظ : كان يأمرنا بالإثمد . وعن معبد بن هوذة عند أحمد بلفظ : اكتحلوا بالإثمد فإنه الحديث . وهو عند أبي داود من حديثه بلفظ : أنه أمر بالإثمد المروح عند النوم . وعن أبي هريرة بلفظ : خير أكحالكم الإثمد فإنه الحديث ، أخرجه البزار وفي سنده مقال . وعن أبي رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكتحل بالإثمد ، أخرجه البيهقي وفي سنده مقال . وعن عائشة : كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم إثمد يكتحل به عند منامه في كل عين ثلاثا ، أخرجه أبو الشيخ في كتاب أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم بسند ضعيف انتهى .

قوله : ( حديث ابن عباس حديث حسن إلخ ) وأخرجه ابن ماجه وصححه ابن حبان .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث