الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


1562 [ ص: 85 ] بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما

( 2 ) باب ما جاء فيمن اعترف على نفسه بالزنا

1536 - مالك عن زيد بن أسلم ؛ أن رجلا اعترف على نفسه بالزنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوط ، فأتي بسوط مكسور ، فقال : " فوق هذا " فأتي بسوط جديد ، لم تقطع ثمرته ، فقال : " دون هذا " فأتي بسوط قد ركب به ولان ، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلد ، ثم قال : " أيها الناس ، قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله ، من أصاب من هذه القاذورات شيئا ، فليستتر بستر الله ، فإنه من يبدي لنا صفحته ، نقم عليه كتاب الله " .

التالي السابق


35489 - قال أبو عمر : لم يختلف عن مالك ، في إرسال هذا الحديث ، ولا أعلمه يستند بهذا اللفظ من وجه من الوجوه .

[ ص: 86 ] 35490 - وقد ذكر ابن وهب في " موطئه " ، عن مخرمة بن بكير ، عن أبيه ، قال : سمعت عبيد الله بن مقسم ، يقول : سمعت كريبا مولى ابن عباس ، أو حدثت عنه ، أنه قال : أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فاعترف على نفسه بالزنا ، ولم يكن الرجل أحصن ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم سوطا ، فوجد رأسه شديدا ، فرده ، ثم أخذ سوطا ، فوجد رأسه لينا ، فأمر رجلا من القوم ، فجلده مائة جلدة ، ثم قام على المنبر ، فقال : " أيها الناس ، اتقوا الله ، واستتروا بستر الله " .

وقال : " انظروا ما كره الله لكم ، فاجتنبوه " .

أو قال : " احذروا ما حذركم الله من الأعمال ، فاجتنبوه ، إنه ما نؤتى به من امرئ " .

35491 - قال ابن وهب : معناه نقم عليه كتاب الله .

35492 - قال أبو عمر : هذا معنى حديث قول مالك ، وإن كان خلاف لفظه ، وفيه كراهة الاعتراف بالزنا ، وحب الستر على نفسه ، والفزع إلى الله عز وجل ، في التوبة ، وقد تقدم هذا المعنى في الباب قبل هذا ، وتقدم كثير من معاني هذا الحديث في ذلك الباب ، والحمد لله .

35493 - وفي حديث هذا الباب أيضا ، أن السلطان إذا أقر عنده المقر بحد من حدود الله عز وجل ، ثم لم يرجع عنه ، لزمه إقامة الحد عليه ، ولم يجز له العفو عنه .

[ ص: 87 ] 35494 - وقد ذكرنا في فضل الستر على المسلم ، وستر المرء على نفسه ، أحاديث كثيرة في " التمهيد " .

35495 - منها ما حدثني أحمد بن عمر ، قال : حدثني عبد الله بن محمد ، قال : حدثني محمد بن فطيس ، قال : حدثني مالك بن عبد الله بن سيف ، قال حدثني عمر بن الربيع بن طارق ، قال : أخبرني يحيى بن أيوب ، عن عيسى بن موسى بن إياس بن البكير ، أن صفوان بن سليم ، حدثه ، عن أنس بن مالك ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : " اطلبوا الخير دهركم كله ، وتعرضوا نفحات الله عز وجل ؛ فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده ، وسلوه أن يستر عوراتكم ، ويؤمن روعاتكم " .

35496 - حدثني عبد الرحمن بن مروان ، قال : حدثني أحمد بن سليمان بن عمرو البغدادي ، بمصر ، قال : حدثني أبو عمران موسى بن سهيل البصري ، قال : حدثني عبد الواحد بن غياث ، قال : حدثني فضال بن جبير ، عن أبي أمامة الباهلي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ثلاث ؛ لو حلفت عليهن ، لبررت ، والرابعة ، لو حلفت عليها ، لرجوت أن لا آثم ، لا يجعل الله من له سهم في الإسلام كمن لا سهم له ، ولا يتولى الله عبدا ، فيوليه إلى غيره . ولا يحب قوم عبدا ، إلا بعثه الله فيهم " أو قال معهم ، " ولا يستر الله على عبد في الدنيا ، إلا ستر عليه عند المعاد .

[ ص: 88 ] 35497 - حدثني سعيد بن نصر ، قال : حدثني قاسم بن أصبغ ، قال : حدثني ابن وضاح ، قال : حدثني أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : حدثني عفان ، قال : حدثني همام ، قال : سمعت إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، قال : حدثني شيبة الحضرمي ، أنه شهد عروة يحدث عمر بن عبد العزيز ، عن عائشة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما ستر الله على عبد في الدنيا ، إلا ستر عليه في الآخرة " .

35498 - أخبرنا عبد الرحمن بن يحيى ، قال : حدثني أحمد بن سعيد ، قال : حدثني محمد بن محمد الباهلي ، قال : حدثني سليمان بن عمرو ، وهو الأقطع ، قال : حدثني عيسى بن يونس ، عن حنظلة السدوسي ، قال : سمعت أنس بن مالك ، يقول : كان يؤمر بالسوط ، فتقطع ثمرته ، ثم يدق بين حجرين حتى يلين ، ثم يضرب به . قلنا لأنس : في زمان من كان هذا ؟ . قال : في زمن عمر بن الخطاب .

35499 - واختلف الفقهاء ، في الموضع التي يضرب بها الإنسان في الحدود .

35500 - فقال مالك : الحدود كلها لا تضرب إلا في الظهر .

[ ص: 89 ] 35501 - قال : وكذلك التعزير ، لا يضرب إلا في الظهر عندنا .

35502 - وقال الشافعي وأصحابه يتقى الفرج والوجه ، وتضرب سائر الأعضاء .

35503 - وروي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - مثل قول الشافعي ؛ أنه كان يقول : اتقوا وجهه ، والمذاكير .

35504 - وقال أبو حنيفة ، ومحمد بن الحسن : تضرب الأعضاء كلها في الحدود ، إلا الفرج والرأس .

35505 - وقال أبو يوسف : يضرب الرأس أيضا .

35506 - قال أبو عمر : روى سفيان ، عن عاصم ، عن أبي عثمان أن عمر [ ص: 90 ] - رضي الله عنه - أتي برجل في حد ، فقال للجلاد : اضرب ، ولا نرى إبطك ، وأعط كل عضو حقه .

33507 - وروي عن عمر ، وابن عمر ، أنهما قالا : لا يضرب الرأس .

35508 - قال ابن عمر : لا يؤمر أن يضرب الرأس .

35509 - واختلفوا في كيفية ضرب الرجال ، والنساء ؛ قياما أو قعودا .

35510 - فقال مالك : الرجل والمرأة في الحدود كلها سواء ، لا يقام واحد منهما ، يضربان قاعدين ، ويجرد الرجل في جميع الحدود ، ويترك على المرأة ما يسترها ، وينزع عنها ما يقيها من الضرب .

35511 - وقال الثوري : لا يجرد الرجل ، ولا يمد ، ويضرب قائما ، والمرأة قاعدة .

35512 - وقال الليث بن سعد ، وأبو حنيفة ، والشافعي : الضرب في الحدود كلها ، وفي التعزير ، مجردا ، قائما ، غير ممدود ، إلا حد القذف ؛ فإنه يضرب وعليه ثيابه ، وينزع عنه المحشو ، والبرد ، والفرو .

35513 - قال أبو عمر : في حديث ابن عمر ، في رجم اليهوديين ، ما يدل على أن الرجل ، كان قائما ، والمرأة قاعدة ؛ لقوله فيه : فرأيت الرجل يحني على المرأة ، يقيها الحجارة .

[ ص: 91 ] 35514 - وما جاء عن عمر ، وعلي ، في ضرب الأعضاء ، ما يدل على القيام ، والله أعلم .

35515 - ومما يدل على الضرب قائما ؛ ما رواه شعبة ، عن أبي ميمونة ، قال : أتيت المدينة ، فدخلت المسجد ، وقيدت بعيري ، فجاء رجل ، فجلد فقلت له : يا نائك أمه ، فرفعني إلى أبي هريرة ، وهو خليفة لمروان ، فضربني ثمانين ، قال : فركبت بعيري ، وقلت :


لعمرك إنني يوم أضرب قائما ثمانين سوطا ، إنني لصبور

.

35516 - واختلفوا في أشد الحدود ضربا ؛

35517 - فقال مالك وأصحابه ، والليث بن سعد : الضرب في الحدود كلها سواء ، ضرب غير مبرح ، ضرب بين ضربين .

35518 - وقال أبو حنيفة وأصحابه : التعزير أشد الضرب ، وضرب الزنا أشد من الضرب في الخمر ، وضرب السارق أشد من ضرب القاذف .

35519 - وقال الثوري : ضرب الزنا ، أشد من ضرب القذف ، وضرب القذف أشد من ضرب الشرب .

35520 - وقال الحسن بن حي : ضرب الزنا أشد من ضرب الشرب والقذف .

35521 - وعن الحسن البصري مثله ، وزاد : وضرب الشرب أشد من [ ص: 92 ] التعزير .

35522 - وقال عطاء بن أبي رباح : حد الزنية أشد من حد الفرية ، وحد الفرية والخمر واحد .

35523 - قال أبو عمر : القياس أن يكون الضرب في الحدود كلها واحدا ؛ لورود التوقيف فيها على عدد الجلدات ، ولا يرد في شيء منها تخفيف ولا تثقيل عما يجب التسليم له ، فوجبت التسوية في ذلك ، ومن فرق بين شيء من ذلك ، احتاج إلى دليل ، وقد ذكرنا ما نزعت به كل فرقة ، من الآثار لأقوالهم ، في كتاب " التمهيد " .

35524 - قال أبو عمر : روى شعبة ، عن واصل ، عن المعرور بن سويد ، قال : أتي عمر بن الخطاب بامرأة زنت ، فقال : أفسدت حسبها ، اضربوها حدها ، ولا تخرقوا عليها جلدها .

35525 - وروي عن علي ، أنه قال لقنبر في العبد الذي أقر عنده بالزنا : اضربه كذا وكذا ، ولا تنهك .

35526 - وروي عن علي وعمر - رضي الله عنهما - دليل على أن قول الله عز وجل : ( ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ) [ النور : 2 ] لم يرد به شدة الضرب ، والإسراف فيه ، وإنما أراد تعطيل الحدود ، وأن لا تأخذ الحكام رأفة على الزناة ، فلا يجلدونهم ويعطلوا الحدود .

[ ص: 93 ] 35527 - وهذا قول جماعة أهل التفسير .

35528 - وممن قال ذلك ؛ الحسن ، ومجاهد ، وعطاء ، وعكرمة ، وزيد بن أسلم .

35529 - وروى وكيع ، عن عمران بن حدير ، عن أبي مجلز ، في قوله عز وجل : ( ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ) [ النور : 2 ] . قال : إقامة الحدود إذا رفعت إلى السلطان .

35530 - وروى نافع ، عن ابن عمر الجمحي ، عن ابن أبي مليكة ، عن عبيد أو عبد الله بن عمر ، قال : ضرب ابن عمر جارية له أحدثت ، فجعل يضرب رجليها ، قال : وأحسبه قال : ظهرها .

قال : فقلت : ( ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ) [ النور : 2 ] . قال يا بني ، وأخذتني بهما رأفة ، إن الله عز وجل ، لم يأمرني أن أقتلها ، أما أنا ؛ فقد أوجعت حين ضربت .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث