الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 604 ] سورة القدر

قوله تعالى: إنا أنـزلناه في ليلة القدر (1) وما أدراك ما ليلة القدر (2) ليلة القدر خير من ألف شهر (3) تنـزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر (4) سلام هي حتى مطلع الفجر

في "الصحيحين " عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعتكف في العشر الأوسط من رمضان، فاعتكف عاما، حتى إذا كانت ليلة إحدى وعشرين، وهي الليلة التي يخرج في صبيحتها من اعتكافه . قال: "من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر، وقد أريت هذه الليلة ثم أنسيتها، وقد رأيتني أسجد في ماء وطين من صبيحتها، فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر" .

فمطرت السماء تلك الليلة، وكان المسجد على عريش، فوكف المسجد . فبصرت عيناي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على جبهته أثر الماء والطين من صبح إحدى وعشرين،


هذا الحديث يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعتكف العشر الأوسط من شهر رمضان; لابتغاء ليلة القدر فيه، وهذا السياق يقتضي أن ذلك تكرر منه - صلى الله عليه وسلم . وفي رواية في "الصحيحين " في هذا الحديث: أنه اعتكف العشر الأول، [ ص: 605 ] ثم اعتكف العشر الأوسط، ثم قال: "إني أتيت، قيل لي: إنها في العشر الأواخر - فمن أحب منكم أن يعتكف فليعتكف "، فاعتكف الناس معه . وهذا يدل على أن ذلك منه قبل أن يتبين له أنها في العشر الأواخر، ثم لما تبين له ذلك اعتكف العشر الأواخر حتى قبضه الله عز وجل، كما رواه عنه عائشة وأبو هريرة وغيرهما .

وروي أن عمر - رضي الله عنه - جمع جماعة من الصحابة، فسألهم عن ليلة القدر، فقال بعضهم: كنا نراها في العشر الأوسط، ثم بلغنا أنها في العشر الأواخر .

وخرج ابن أبي عاصم في كتاب "الصيام " وغيره من حديث خالد بن محدوج، عن أنس : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "التمسوها في أول ليلة، أو في تسع، أو في أربع عشرة" . وخالد هذا فيه ضعف، وهذا يدل على أنها تطلب في ليلتين من العشر الأول، وفي ليلة من العشر الأوسط، وهي أربع عشرة، وقد سبق من حديث واثلة بن الأسقع مرفوعا: "إن الإنجيل أنزل لثلاث عشرة من رمضان " . وقد ورد الأمر بطلب ليلة القدر في النصف الأواخر من رمضان . وفي أفراد ما بقي من العشر الأوسط من هذا النصف، وهما ليلتان: ليلة سبع عشرة، وليلة تسع عشرة .

أما الأول: فخرجه الطبراني ، من حديث عبد الله بن أنيس، أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ليلة القدر، فقال: "رأيتها ونسيتها، فتحرها في النصف الأواخر" . ثم عاد فسأله، فقال: "التمسها في ليلة ثلاث وعشرين تمضي من الشهر" . . [ ص: 606 ] ولهذا المعنى - والله أعلم - كان أبي بن كعب يقنت في الوتر في ليالي النصف الأواخر; لأنه يرجى فيه ليلة القدر . وأيضا فكل زمان فاضل من ليل أو نهار، فإن آخره أفضل من أوله، كيوم عرفة، ويوم الجمعة، وكذلك الليل والنهار عموما; آخره أفضل من أوله . ولذلك كانت الصلاة الوسطى صلاة العصر، كما دلت الأحاديث الصحيحة عليه، وآثار السلف الكثيرة تدل عليه، وكذلك عشر ذي الحجة والمحرم " آخرهما أفضل من أولهما .

وأما الثاني: ففي "سنن أبي داود" عن ابن مسعود مرفوعا: "اطلبوها ليلة سبع عشرة من رمضان، وليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين "، ثم سكت . وفي رواية: "ليلة تسع عشرة"، وقيل: إن الصحيح وقفه على ابن مسعود ، فقد صح عنه أنه قال: تحروا ليلة القدر ليلة سبع عشرة، صباحية بدر، أو إحدى وعشرين، وفي رواية عنه، قال: "ليلة سبع عشرة، فإن لم يكن ففي تسع عشرة" .

وخرج الطبراني من رواية أبي المهزم، وهو ضعيف، عن أبي هريرة مرفوعا، قال: "التمسوا ليلة القدر في سبع عشرة أو تسع عشرة، أو إحدى وعشرين . أو ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين، أو سبع وعشرين، أو تسع وعشرين " . ففي هذا الحديث: التماسها في أفراد النصف الثاني كلها، ويروى من حديث عائشة - رضي الله عنها -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا كان ليلة تسع عشرة من رمضان شد المئزر وهجر الفراش حتى يفطر . قال البخاري : تفرد به عمر بن مسكين، ولا يتابع عليه، وقد روي عن [ ص: 607 ] طائفة من الصحابة . إنها تطلب ليلة سبع عشرة، وقالوا: إن صبيحتها كان يوم بدر، روي عن علي، وابن مسعود ، وزيد بن أرقم ، وزيد بن ثابت ، وعمرو ابن حريث، ومنهم من روي عنه، أنها ليلة تسع عشرة . روي عن علي، وابن مسعود ، وزيد بن أرقم .

والمشهور عند أهل السير والمغازي: أن ليلة بدر كانت ليلة سبع عشرة . وكانت ليلة جمعة، وروي ذلك عن علي، وابن عباس وغيرهما، وعن ابن عباس ، رواية ضعيفة أنها كانت ليلة الاثنين . وكان زيد بن ثابت لا يحيي ليلة من رمضان، كما يحيي ليلة سبع عشرة . ويقول: إن الله فرق في صبيحتها بين الحق والباطل، وأذل في صبيحتها أئمة الكفر .

وحكى الإمام أحمد هذا القول عن أهل المدينة: أن ليلة القدر تطلب ليلة سبع عشرة، قال في رواية أبي داود فيمن قال لامرأته: أنت طالق ليلة القدر، قال: يعتزلها إذا دخل العشر، وقبل العشر، أهل المدينة يرونها في السبع عشرة، إلا أن المثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في العشر الأواخر .

وحكي عن عامر بن عبد الله بن الزبير : أنه كان يواصل ليلة سبع عشرة . وعن أهل مكة أنهم كانوا لا ينامون فيها، ويعتمرون .

وحكي عن أبي يوسف ومحمد، صاحبي أبي حنيفة : أن ليلة القدر في النصف الأواخر من رمضان من غير تعيين لها بليلة، وإن كانت في نفس الأمر عند الله معينة . وروي عن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، قال: ليلة القدر ليلة سبع عشرة، ليلة جمعة . خرجه ابن أبي شيبة . وظاهره أنها إنما تكون ليلة القدر إذا كانت ليلة جمعة، لتوافق ليلة بدر، وروى أبو الشيخ الأصبهاني بإسناد [ ص: 608 ] جيد، عن الحسن، قال: إن غلاما لعثمان بن أبي العاص، قال له: يا سيدي، إن البحر يعذب في هذا الشهر في ليلة، قال: فإذا كانت تلك الليلة فأعلمني، قال: فلما كانت تلك الليلة أذنه، فنظروا فوجدوه عذبا، فإذا هي ليلة سبع عشرة .

وروي من حديث جابر ، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأتي قباء صبيحة سبع عشرة من رمضان، أي يوم كان . خرجه أبو موسى المديني . وقد قيل: إن المعراج كان فيها أيضا، ذكر ابن سعد ، عن الواقدي ، عن أشياخه: أن المعراج كان ليلة السبت لسبع عشرة خلت من رمضان قبل الهجرة إلى السماء، وأن الإسراء كان ليلة سبع عشرة من ربيع الأول قبل الهجرة بسنة إلى بيت المقدس، وهذا على قول من فرق بين المعراج والإسراء; فجعل المعراج إلى السماء، كما ذكر في سورة النجم; والإسراء إلى بيت المقدس خاصة، كما ذكر في سورة سبحان .

وقد قيل: إن ابتداء نبوة النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في سابع عشر رمضان، قال أبو جعفر محمد بن علي الباقر: نزل جبريل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة السبت وليلة الأحد، ثم ظهر له بحراء برسالة الله عز وجل يوم الاثنين لسبع عشرة خلت من رمضان .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث