الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

( ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ) .

ثم قال تعالى : ( ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ) .

اعلم أنه تعالى أكد إبطال مذهب عبدة الأصنام بهذا المثال ، وفيه مسائل :

المسألة الأولى : في تفسير هذا المثل قولان :

[ ص: 68 ] القول الأول : أن المراد أنا لو فرضنا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ، وفرضنا حرا كريما غنيا كثير الإنفاق سرا وجهرا ، فصريح العقل يشهد بأنه لا تجوز التسوية بينهما في التعظيم والإجلال لما لم تجز التسوية بينهما مع استوائهما في الخلقة والصورة والبشرية ، فكيف يجوز للعاقل أن يسوي بين الله القادر على الرزق والإفضال ، وبين الأصنام التي لا تملك ولا تقدر البتة !

والقول الثاني : أن المراد بالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء هو الكافر ، فإنه من حيث إنه بقي محروما عن عبودية الله تعالى وعن طاعته صار كالعبد الذليل الفقير العاجز ، والمراد بقوله : ( ومن رزقناه منا رزقا حسنا ) هو المؤمن ؛ فإنه مشتغل بالتعظيم لأمر الله تعالى والشفقة على خلق الله ، فبين تعالى أنهما لا يستويان في المرتبة والشرف والقرب من رضوان الله تعالى .

واعلم أن القول الأول أقرب ؛ لأن ما قبل هذه الآية وما بعدها إنما ورد في إثبات التوحيد ، وفي الرد على القائلين بالشرك ، فحمل هذه الآية على هذا المعنى أولى .

المسألة الثانية : اختلفوا في المراد بقوله : ( عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ) ، فقيل : المراد به الصنم ؛ لأنه عبد بدليل قوله : ( إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا ) [مريم : 93] . وأما أنه مملوك ولا يقدر على شيء فظاهر ، والمراد بقوله ( ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا ) عابد الصنم ؛ لأن الله تعالى رزقه المال ، وهو ينفق من ذلك المال على نفسه وعلى أتباعه سرا وجهرا .

إذا ثبت هذا فنقول : هما لا يستويان في بديهة العقل ، بل صريح العقل يشهد بأن ذلك القادر أكمل حالا وأفضل مرتبة من ذلك العاجز ، فهنا صريح العقل يشهد بأن عابد الصنم أفضل من ذلك الصنم ، فكيف يجوز الحكم بكونه مساويا لرب العالمين في العبودية .

والقول الثاني : أن المراد بقوله : ( عبدا مملوكا ) عبد معين ، وقيل : هو عبد لعثمان بن عفان ، وحملوا قوله : ( ومن رزقناه منا رزقا حسنا ) على عثمان خاصة .

والقول الثالث : أنه عام في كل عبد بهذه الصفة ، وفي كل حر بهذه الصفة ، وهذا القول هو الأظهر ؛ لأنه هو الموافق لما أراده الله تعالى في هذه الآية ، والله أعلم .

المسألة الثالثة : احتج الفقهاء بهذه الآية على أن العبد لا يملك شيئا .

فإن قالوا : ظاهر الآية يدل على أن عبدا من العبيد لا يقدر على شيء ، فلم قلتم : إن كل عبد كذلك ؟ فنقول : الذي يدل عليه وجهان :

الأول : أنه ثبت في أصول الفقه أن الحكم المذكور عقيب الوصف المناسب يدل على كون ذلك الوصف علة لذلك الحكم ، وكونه عبدا وصف مشعر بالذل والمقهورية ، وقوله : ( لا يقدر على شيء ) حكم مذكور عقيبه . فهذا يقتضي أن العلة لعدم القدرة على شيء هو كونه عبدا ، وبهذا الطريق يثبت العموم .

الثاني : أنه تعالى قال بعده : ( ومن رزقناه منا رزقا حسنا ) فميز هذا القسم الثاني عن القسم الأول ، وهو العبد بهذه الصفة وهو أنه يرزقه رزقا ، فوجب أن لا يحصل هذا الوصف للعبد حتى يحصل الامتياز بين القسم الثاني وبين القسم الأول ، ولو ملك العبد لكان الله قد آتاه رزقا حسنا ؛ لأن الملك الحلال رزق حسن ، سواء كان قليلا أو كثيرا . فثبت بهذين الوجه ين أن ظاهر الآية يقتضي أن العبد لا يقدر على شيء ولا [ ص: 69 ] يملك شيئا . ثم اختلفوا فروي عن ابن عباس وغيره التشدد في ذلك حتى قال : لا يملك الطلاق أيضا . وأكثر الفقهاء قالوا : يملك الطلاق إنما لا يملك المال ولا ما له تعلق بالمال . واختلفوا في أن المالك إذا ملكه شيئا فهل يملكه أم لا ؟ وظاهر الآية ينفيه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث