الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب

وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب

عطف على جملة وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم إلى قوله : لقضي بينهم . وهذه الجملة هي المقصود من جملة شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا إلى قوله : ولا تتفرقوا فيه لأن المقصود أهل الكتاب الموجودون في زمن نزول الآية .

وإذ قد كانت من الأمم التي أوحى الله إلى رسلهم أمتان موجودتان في حين نزول هذه الآية وهما اليهود والنصارى ، وكانتا قد تفرقتا فيما جاءهم به العلم ، وكان الله قد أخر القضاء بين المختلفين منهم إلى أجل مسمى ، وكانوا لما بلغتهم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم شكوا في انطباق الأوصاف التي وردت في الكتاب بوصف النبيء الموعود به - فالمعنى : أنه كما تفرق أسلافهم في الدين قبل بعثة النبيء الموعود به تفرق خلفهم مثلهم وزادوا تفرقا في تطبيق صفات النبيء الموعود به تفرقا ناشئا عن التردد [ ص: 58 ] والشك ، أي دون بذل الجهد في تحصيل اليقين ، فلم يزل الشك دأبهم .

فالمخبر عنهم بأنهم في شك : هم الذين أورثوا الكتاب من بعد سلفهم .

وقد جاء نظم الآية على أسلوب إيجاز يحتمل هذه المعاني الكثيرة وما يتفرع عنها ، فجيء بضمير ( منه ) بعد تقدم ألفاظ صالحة لأن تكون معاد ذلك الضمير ، وهي لفظ ( الدين ) في قوله ( من الدين ) ، ولفظ ( الذي ) في قوله : والذي أوحينا إليك ، و ( ما ) الموصولة في قوله : ما تدعوهم إليه ، وهذه الثلاثة مدلولها الإسلام . وهنالك لفظ ما وصينا المتعدي إلى موسى وعيسى ، ولفظ الكتاب في قوله : وإن الذين أورثوا الكتاب . وهذان مدلولهما كتابا أهل الكتاب .

وهؤلاء الذين أوتوا الكتاب هم الموجودون في وقت نزول الآية . والإخبار عنهم بأنهم في شك ناشئ من تلك المعادات للضمير - معناه أن مبلغ كفرهم وعنادهم لا يتجاوز حالة الشك في صدق الرسالة المحمدية ، أي ليسوا مع ذلك بموقنين بأن الإسلام باطل ، ولكنهم ترددوا ثم أقدموا على التكذيب به حسدا وعنادا . فمنهم من بقي حالهم في الشك . ومنهم من أيقن بأن الإسلام حق ، كما قال تعالى : الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون . ويحتمل أن المعنى لفي شك بصدق القرآن أو في شك مما في كتابهم من الأمور التي تفرقوا فيها ، أو ما في كتابهم من الدلالة على مجيء النبيء الموعود به وصفاته .

فهذه معان كثيرة تتحملها الآية وكلها منطبقة على أهل الكتابين وبذلك يظهر أنه لا داعي إلى صرف كلمة ( شك ) عن حقيقتها .

ومعنى أورثوا الكتاب : صار إليهم علم الكتاب الذي اختلف فيه سلفهم فاستعير الإرث للخلفية في علم الكتاب .

والتعريف في الكتاب للجنس ليشمل كتاب اليهود وكتاب النصارى .

[ ص: 59 ] فضمير ( من بعدهم ) عائد إلى ما عاد إليه ضمير ( تفرقوا ) وهم الذين خوطبوا بقوله : ولا تتفرقوا فيه .

وظرفية قوله ( في شك ) ظرفية مجازية وهي استعارة تبعية ، شبه تمكن الشك من نفوسهم بإحاطة الظرف بالمظروف .

و ( من ) في قوله : لفي شك منه ابتدائية وهو ابتداء مجازي معناه المصاحبة والملابسة ، أي شك متعلق به أو في شك بسببه . ففي حرف ( من ) استعارة تبعية ، وقع حرف ( من ) موقع باء المصاحبة أو السببية .

وتأكيد الخبر بـ ( إن ) للاهتمام ومجرد تحقيقه للنبيء صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، وهذا الاهتمام كناية عن التحريض للحذر من مكرهم وعدم الركون إليهم لظهور عداوتهم لئلا يركنوا إليهم ، ولعل اليهود قد أخذوا يومئذ في تشكيك المسلمين واختلطوا بهم في مكة ليتطلعوا حال الدعوة المحمدية .

هذا هو الوجه في تفسير هذه الآية وهو الذي يلتئم مع ما قبله ومع قوله بعده ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم الآية .

والمريب : الموجب الريب وهو الاتهام . فالمعنى : لفي شك يفضي إلى الظنة والتهمة ، أي شك مشوب بتكذيب ، فـ ( مريب ) اسم فاعل من ( أراب ) الذي همزته للتعدية ، أي جاعل الريب ، وليست همزة ( أراب ) التي هي للجعل في قولهم : أرابني ، بمعنى أوهمني منه ريبة ، وهو ليس بذي ريب ، كما في قول بشار :


أخوك الذي إن ربته قال إنما أربت وإن عاتبته لان جانبه



على رواية فتح التاء من ( أربت ) ، وتقدم قوله : وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب في هود .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث